أسري واجتماعي

العنف ضد المرأة.. ومآسٍ خلف الأبواب المغلقة

حوار: سحر فؤاد أحمد - 2011-04-24 10:04:47


يحل العنف ضد المرأة مرتبة متقدمة كأكثر مظاهر العنف الاجتماعي؛ إذ تشير الإحصاءات أن الأنثى هي الضحية الأكثر تعرضا للعنف داخل الأسرة بنسبة 76% مقارنةً ببقية الأفراد، وتقع 95% من الاعتداءات العائلية التي يرتكبها الرجال على النساء. وكشفت الدراسات أن امرأة من كل ثلاث نساء تتعرض للضرب والإكراه والإهانة كل يوم، وأن ضرب المرأة من قبل زوجها قد يؤدي إلى جروح وإصابات أكثر مما تحدثه حوادث السيارات والسلب والاغتصاب مجتمعة! وهناك واحدة من كل خمس نساء في العالم بما فيهن النساء الحوامل والفتيات الصغار قد تعرضن للعنف في مرحلةٍ من مراحل حياتهن من أحد الرجال المحيطين بهن.

وفق الدكتورة حنان عطا الله - أستاذة علم النفس بجامعة الملك سعود- فإن العنف ضد المرأة قاسم مشترك بين البلاد المتقدمة والنامية على السواء؛ ففي الولايات المتحدة 35% من النساء اللائي دخلن الطوارئ تعرضن للعنف، وكانت النسبة في كندا 25%، وفي بريطانيا 20%، وفي سويسرا 21%، وفي تركيا 58%، وفي الهند 40%، وفي مصر 35%، لكن يجري العنف خلف أبواب مغلقة؛ ما يعني أن هذه الأرقام لا تعكس كل الصورة، فالعنف تجاه المرأة يعتبر عنفا خفيا أو غير محسوس، وبالتالي يستطيع الرجل المعتدي أن يحفظ صورته أمام الآخرين ويظهر أمامهم بمظهر الرجل المسالم والطيب، بل لقد وجدت المعالِجة النفسية (باتريشا إيفنز) في كتابها "الإساءة اللفظية في العلاقات العاطفية" أن كثيرا من الرجال المعتدين يطلق عليهم من قبل المجتمع ومن قبل أصدقائهم Mr.Nice !

 

سألنا عطا الله: يختلف مفهوم العنف من مجتمع لآخر فما يعتبر عنفا في مجتمع قد لا يعتبر كذلك في مجتمع آخر، فما هو العنف ضد المرأة في رأيكِ؟ فقالت: هو أي فعل عنيف يستهدف المرأة وينجم عنه أذى أو معاناة، وكان البعض يعتقد خطأ أن العنف مقصور على الجانب الجسدي فقط بينما هو مفهوم أوسع من ذلك؛ وينطوي تحته أنواع أخرى كالعنف النفسي والجنسي والاقتصادي.

وتتعدد أنواع العنف ضد المرأة -كما تقول عطا الله- بل وتتجدد أيضا بتطور وتعقد الحياة فهناك أشكال معروفة له كالعنف الجسدي وهو من أشد وأبرز مظاهر العنف وأكثرها وضوحا للعيان، ويتراوح من أبسط الأشكال إلى أخطرها كالضرب وشد الشعر والصفع والخنق والحرق ورمي المواد الحارقة على الوجه والجسد والختان وتكسير الأعضاء وتشويهها، وغيرها من أنواع الإيذاء الجسدي الذي يصل في بعض الحالات إلى ارتكاب جرائم القتل.

كما تتعرض المرأة للعنف الجنسي الذي يعد من أخطر أنواع العنف، ويتضمن الاغتصاب وزنا المحارم والتحرش الجنسي وغير ذلك، إلا أن معظمه يبقى في طي الكتمان!

وهناك العنف النفسي الذي تأخر الاهتمام به حتى السنوات العشر الماضية، وهذا النوع من العنف شائع في المجتمعات الغنية والفقيرة، المتقدمة والنامية، وله آثار مدمرة على الصحة النفسية للمرأة حيث المعاناة من الإهانة والإهمال والاحتقار والشتم والاستهتار والازدراء والاعتداء على حقها في اختيار الشريك. وتكمن خطورة هذا النوع من العنف أن القانون لا يعترف به ويصعب إثباته. بل إن المرأة الضحية قد لا تدركه، لكنها تعاني مشاعر مؤلمة من عدم الراحة وعدم القدرة على التوازن والإحساس الدائم بالحزن والاكتئاب..

كما تعاني المرأة من العنف الاقتصادي كأن تجبَر على العمل حتى لو كان هذا العمل غير شرعي، وقد تُحرم من العمل، وقد يحرمها زوجها أو أبوها من راتبها، أو يقطع عنها حاجاتها المادية، أو يحرمها من حقها الشرعي في الإرث، أو يقيد حريتها في التصرف بأموالها الخاصة، والمؤلم أن ذلك ينطبق حتى في المجتمعات الإسلامية التي أوجب الإسلام فيها على الرجال صيانة كرامة المرأة، وإلزامية الصرف عليها، والقيام بكل احتياجاتها المادية حتى ولو كان لها دخلها المادي الخاص بها.

وهناك العنف القانوني وهو أن تكون الأحكام والقوانين غير منصفة للمرأة الضحية، وقد تعجز المرأة –في بعض المجتمعات- من الوصول للمحاكم!

 

فتش عن السبب

ترجع عطا الله العنف ضد المرأة إلى عددٍ من الأسباب؛ أهمها -في رأيها- التنشئة الاجتماعية والموروث الثقافي؛ فالأسرة في مجتمعاتنا -بما فيها الأم- تربي الأنثى على  الخضوع، وتزرع في نفسها أنها أقل شأنا من الذكر حتى لو كانت تكبره سناً، وتغرس داخلها بأنها كائن ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا بد أن تكون هادئة ومسالمة، مما يجعل العنف ضدها أمرا مستساغا ومقبولا من أكثر النساء لاتِّساقه مع مفهوم المرأة لذاتها الذي زرعته فيها الأسرة.

والموروث الثقافي يزيد الطين بلة؛ فهو يعزز الفروق بين الذكر والأنثى، فميلاد الذكر مثلا هو مناسبة سعيدة للأسرة، بعكس ميلاد الأنثى الذي يكون أحد الأسباب لتطليق الزوجة أو الزواج  من امرأة أخرى!

كما أن هذا الموروث يرسخ سلطة الرجل، ويقلل من أهمية الدور المعطَى للمرأة بالرغم من ضروريته وفاعليته، فالرجل صاحب السلطة وله مطلق الحرية في التصرف في محارمه ونسائه، وبالتالي ترضخ المرأة للعنف، ويقف المجتمع مؤيدا للرجل أو على الأقل غير متعرض.

ويأتي الفهم الخاطئ للدين ليكرس هذه العادات وتلك الثقافة بدلا من أن يحاربها، فرغم أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في التكليف والمسؤولية الدينية والاجتماعية، وساوى بينهما في حق ممارسة العمل وطلب العلم، إلا أن الفهم الخاطئ للقوامة جعلها سيفا مسلطا على النساء بعد أن ساد هذا المفهوم كثير من التحريف واللغط، فالقوامة كما أرادها الله جل وعلا تشريف وليست استبدادا أو تسلطا، والقوامة لا تعني سيطرة على المرأة أو ضربها أو الاستبداد بها ومصادرة حقوقها.

سمات شخصية المرأة المعنَّفة قد تكون سببا في استمرار العنف ضدها، فبعض النساء تشجع الرجل على ممارسة العنف ضدهن، وذلك أن عنف الرجل تجاهها يحقق رغبتها في هزيمة الذات، فهي تمثل شخصية الضحية وتستعذب الألم، فقد وجد في الدراسات أن النساء اللاتي تعرضن للضرب أكثر أنوثةً مقارنةً بمن لم يتعرضن للضرب، وأكثر ميلا ورغبة في التسامح في تحكم الآخرين.

 

حصاد مر

وفقا لعطا الله يُحدث العنف ضد المرأة آثارا مدمرة على الضحية نفسيا وجسديا واجتماعيا، فهو يوقعها في أسْر الأمراض النفسية بما فيها القلق والاكتئاب والوساوس، وقد يدفعها إلى الانتحار.. ناهيك عن الآثار الأخرى كاضطرابات النوم والاضطرابات الشخصية والانعزالية وانخفاض تقدير الذات وضعف الثقة بالنفس. وانخفاض مستوى الطموح والدافعية للإنجاز والفشل المهني والعصبية الزائدة أو اللامبالاة، فضلا عن الشعور بالخجل والخزي وغيرها من الآثار التي تعرفها عيادات الطب النفسي.

أما على المستوى الاجتماعي فإن العنف ضد المرأة يزيد معدلات الطلاق والتفكك الأسري والعنف ضد الأطفال؛ حيث وجد أن من 40-60% من الأزواج الذين يعتدون على زوجاتهم وبشكل مستمر يعتدون أيضا وبشكل مستمر على أطفالهم، مما يصيبهم بالانحراف والعدوانية!

والآثار أكثر خطورة على الأسرة والمجتمع وأعمق ضررا لأن علاقات القوة غير المتكافئة داخل الأسرة غالبا ما تحدث خللا في البناء الاجتماعي واهتزازا في نمط الشخصية، وبخاصة عند الأطفال، مما يؤدي في النهاية إلى خلق أنماط مشوهة من الشخصيات والعلاقات والسلوك، وهذا قادر بدوره على إعادة إنتاج العنف سواء داخل الأسرة أو في المجتمع.

 

·        صمت الضحية

العنف ضد المرأة كجبل الثلج لا يظهر منه إلا الجزء الأعلى الصغير، وذلك بسبب سكوت الضحية لخوفها من المجتمع ويقينها بأنه لن ينصفها، وخوفها من تفكك أسرتها وفقدان أطفالها لو اشتكت، والاعتقاد الخاطئ بأن الشؤون العائلية مسألة خاصة برب الأسرة، ويرافق ذلك خجلها من وضعها الذي قد يدفعها إلى إنكار العنف، ويكرس هذا الخجل في الغالب وجود علاقة قربى تربطها بمن يعنفها، مما يجعل من الصعب على المرأة التبليغ عن شخص تربطها به صلة دم أو زواج أو أخوة فهي قد تعود مرة أخرى للبيت مع هذا الشخص ولا يوجد عندئذ من يحميها منه.

·        عقوبات رادعة

لوضع حد لهذه الظاهرة تقترح عطا الله تنظيم حملات إعلامية لتنمية الوعي لدى المجتمع بمكانة المرأة ودورها، وتنقية برامج التعليم والإعلام من كل ما من شأنه تكريس النظرة الدونية للمرأة، وإصدار قوانين صارمة وسنّ عقوبات رادعة لكل من يمارس العنف ضد المرأة. والتوعية بمشكلة العنف ضد المرأة، مع ضرورة توفير مأوى للنساء المتعرضات للعنف اللاتي لا يجدن مأوى يلجأن إليه. وتفعيل الدور الإيجابي لوسائل الإعلام في التصدي للعنف ضد المرأة بشكل خاص. وإنشاء أقسام نسائية في المحاكم لاستقبال شكاوى النساء المعنَّفات.

لكن الحل النهائي يبقى بيد المرأة المعتدَى عليها، لذا تنصحها عطا الله بعدم السكوت على المعتدي بأمل أن يتغير وطلب المساعدة من الأهل أو من الجهات المتخصصة.


ما رأيك في موقف الحكام العرب إزاء العدون الاسرائيلي على غزة؟

نتائج التصويت