دعوة

صيغ الترف .. معانيها ودلالتها في القرآن الكريم

د/ شعبان رمضان مقلد - 2012-02-01 09:41:10

 استعرضنا سابقا مفهوم سنة الترف، وصيغ السنن .. معانيها ودلالتها في القرآن الكريم، ونتوقف في مقالنا هذا مع صيغة الترف .. معانيها ودلالتها في القرآن الكريم حتى نقف على حقيقة من هم المترفون، وما تصور القرآن لهم؟ فنستعين بالله ونقول:

ورد لفظ "ترف" ومشتقاته في القرآن الكريم في ثمانية مواضع، كلها إما في موضــع الذم له والتحذير منه، وإما في بيان سمات أهله، ومعاندتهم للحق وأهله أو جزائهم، كما ورد العديد من الأحاديث النبوية التي ينهى بعضها عن الترف جملة، ويحذر من تعلُّق القلب به، وغلو الإنسان في الانغماس في متع الحياة وملذاتهــا، وبعضها الآخر ينهى عن مظهر من مظاهر الترف، ويحث على تركه والانصراف عنه إلى مـا هو خير في الدارين.
-  فمن الآيات ما أخبرت أن الترف هو سبب هلاك الأمم قال تعالى: "وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيـهَــــا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً" (الإسراء:16)

قال الطبري في تفسيرها: قال ابن عباس أمرنا مترفيها بطاعة الله فعصوا   ... وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ففسقوا فيها؛ لأن العرب تقول هو أمير غير مأمور ... وقد يكون المعنى أكثرنا مترفيها ... وقرأ ذلك أبو عثمان "أمرنا" بتشديد الميم بمعنى الإمارة ... عن ابن عباس قوله "أَمَرْنَا مُتْرَفِيـهَــــا" يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله:  "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا"...(1)  

-   ومن آيات الترف ما يبين أن المترفين يعملون على نشر الفساد في الأرض ويقاومون الإصلاح، واستمرارهم على المعاصي بسبب ركونهم إلى الترف. قال تعالى: " ... وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ" (هود116) قال ابن كثير: أي استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك ـ أي المنكرين للعذاب ـ حتى فاجأهم العذاب.(2)

-  وتشير بعض الآيات إلى أن هذا لم يكن خلق أمة واحدة في زمن بعينه، بل كان دأب الكثير من القرى التي عاثت في الأرض ظلمًا وفسادًا، فكانت عاقبتها من الله وخيمة قال ـ تعالى ـ "وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ" (الأنبياء11ـ15)

-  كذلك من آيات الترف ما يبين موقف المترفين من رسل الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأنهم أعداء معارضون للرسل دومًا، وقد يكون هذا العداء وتلك المعارضة من تلقاء أنفسهم، واعتمادهم على كثرة أموالهم وأولادهم ـ نعوذ بالله من ذلك ـ قال تعالى : " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ" (سبأ35،34)

وقد ورد في تفسيرها: "إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا" وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر "إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ" أي لا نؤمن به ولا نتبعه، ... "وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ" أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة(3)

ولكن يرد عليهم القرآن في نفس الموقف مبينًا أن هذا كله فضل من الله يؤتيه من يشاء، قد يكون نعمة وقد يكون نقمة، فليست هي الفيصل وإنما الفيصل في الإيمان والعمل الصالح، "قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ" (سبأ37،36)

-  وقد تكون المعارضة تعللا باقتفائهم آثار آبائهم، قال ـ تعالى ـ: "وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّــقْــتَدُونَ" (الزخرف:23). " مُتْرَفُوهَا" أغنياؤها ورؤساؤها " وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّــقْــتَدُونَ" مقتدون بهم.(4)
وقوله ـ تعالى ـ: "حَتَّى إذَا أَخَـــذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إذَا هُمْ يَجأرُونَ" (المؤمنون:64) قال الطبري: المترفون العظماء "إذَا هُمْ يَجأرُونَ" يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، ضجوا واستغاثوا مما حل بهم من عذابنا، ولعل الجؤار: رفع الصوت كما يجأر الثور... وعن ابن عباس "إذَا هُمْ يَجأرُونَ" يقول: يستغيثون ... وقوله: "لا تجأروا اليوم" يقول لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نزل بكم من سخط الله، "إنكم منا لا تنصرون" يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شيء.(5)

-  ومن آيات الترف ما تخبر أن الترف من الأسباب التي توجب دخول النار قال تعالى: "وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ  فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ  وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ  لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ" (الواقعة 41ـ 45)

أي : كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم.

فعند الطبري: إن هؤلاء الذين وصف صفتهم من أصحاب الشمال كانوا قبل أن يصيبهم من عذاب الله ما أصابهم في الدنيا مترفين، يعني: منعمين.(6)

وبالجملة فما ورد ذكر الترف في القرآن الكريم إلا وهو يحمل الذم والتحذير منه ــ وما ذاك إلا لما يشتمل عليه الترف من مفاسد . منها أنه يقضي على الرجولة والشهامة التي هي من مقومات الجهاد ومواجهة الصعاب، ويحل محلها النعومة والكسل والاسترخاء والميل إلى الراحة والبطالة ، وبهذا تفقد الأمة قوتها، ويتغلب عليها أعداؤها وتسقط هيبتها، ومن ثم قيل: ( الترف زمانة الأمم ) أي مرض الأمم المزمن.

وقد يجعل الله ـ عز وجل ـ هذه النعم والخيرات استدراجًا لمن عصاه وخالف أمره، كما سمعنا ذلك عن أمم سابقة، ورأينا ذلك في أمم ودول معاصرة، قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ". (النحل112)

- ومن هنا يتضح موقف الإسلام من الترف، وهو ذمه لهذه الآفة والتحذير منها، فقد وردت آيات نصت على سوء الترف، وبينت أثره على نفوس المترفين، كما ذكرنا سابقًا قول الله ـ تبارك و تعالى ـ :  "حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ " . (المؤمنون 64 ) (7)
وما تحذير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنا ببعيد: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولنكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)  (8)
لكن هل هذا يعني أن يمتنع المسلم عن التمتع بنعم الله في الدنيا ويبتعد عن مباهجها ؟

والإجابة بالطبع لا ؛ فدعوة الإسلام إلى ترك الترف والتحذير منه لا تعنى الامتناع عن التمتع بنعم الدنيا ومباهجها، وإنما هي دعوة إلى الاقتصاد في الإنفاق، والامتناع عن التمتع الملهي عن الغاية التي خلق لها الإنسان، كذلك هي دعوة إلى عدم تعلق القلب بهذه النعم وانشغاله بها عن الآخرة .

وفي القرآن آيات عديدة ـ وإن كانت (لفظًا) لا صلة لها بالترف لكنها من حيث المعنى وثيقة الصلة به ـ هذه الآيات تبين أن حيازة الشهوات والتنعم بها، إنما هو للدنيا فقط، وهي قريبة إلى الفناء، وتغر أصحابها، وما يبقى هو ما عند الله من جزاء على الأعمال الصالحة: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ (آل عمران14)

"مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (هود16،15)

"وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى" (طه131) فلو دققنا النظر ـ مثلاً ـ في هذه الآية الأخيرة، وتدبرنا في الترتيب الذي سيقت فيه مع ما قبلها وما بعدها؛ نجد أنها جاءت في مقام التسلية، وأمر الله رسوله بالصبر على الإيذاء، وقبلها أمر بالتسبيح في كل الأوقات تقريبًا، وبعدها أمر بالاصطبار على الصلاة، وعدم الانشغال بالرزق والعاقبة التي ستدوم حتمًا للمتقين.

وآيات تبين أن التمتع بالأكل الزائد، واللهو والتأمل في الدنيا، والحرص عليها من دأب الكفار، وسيندمون على ذلك أشد الندم : "رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ" (الحجر4،3،2)

وأيضًا: آيات تحث على الاعتدال في الإنفاق والبعد عن الإسراف والترف منها قوله ـ تعالى ـ:"وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" (الفرقان67)

وبعض الآيات تبين أن المال قد يكون سببًا في طغيان صاحبه ظنًا منه أنه في غنى ومأمن "كَلاَّ إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى *أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" (العلق7،6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنعام من الآية123، وانظر: تفسير الطبري 15/54.

 (2) ابن كثير 2/465.

(3 )ابن كثير: 3/541

(4 ) البغوي 4/136، واقرأ في ذلك أيضًا: المؤمنون33ـ38

(5)  الطبري18/37

6 )) الطبري27/193

(7 ) واقرأ الحاقة 28ـ37

(8 ) صحيح البخاري. برقم6061، وسنن الترمذي برقم2462

· أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد بجامعة الجوف - المملكة العربية السعودية


سنـة اللـه في الترف والمترفين ..مفهومها ومدى الاستفادة منها


بعد سقوط صنعاء..هل تتوقع سقوط عواصم عربية أخرى تحت سيطرة الحوثيين والنفوذ الإيراني ؟

نتائج التصويت