
من يتخيل أن غزة بإمكانها أن تنير مصابيحها وأجهزتها الكهربية في لحظة واحدة رغم المعاناة من أسوأ أزمة كهرباء منحت المستهلك مؤخراً 6 ساعات كهرباء و12 ساعة من الحرمان بالتوالي على مدار الأيام؟.
هذا ما يمكن أن يحققه "خط الأمان" الذي توصل إليه كل من
إياد عقل عميد كلية الزيتونة للعلوم والتنمية "راعية الاختراع"، وخبير
الأجهزة الكهربائية والمحولات إياد الحزقي"مخترع جهاز خط الأمان".. وهما
يتقاسمان نشوة الفرح أمام حسن صنيعهما بعد شهرين من العمل الدءوب .
تقوم الفكرة على تثبيت جهاز صغير اسمه "جهاز خط الأمان"
داخل علبة التجميع الكهربية الرئيسة في البيت بحيث لا يسمح بتجاوز الحمل المحدد سلفاً من شركة
الكهرباءالأم "مقترح 500 وات فقط"، وبإمكان الشركة التحكم بزيادة أو تخفيف
الحمل عن بعد.
وقد أسست كلية الزيتونة للعلوم والتنمية قبل شهور"مركز
بدائل" لبحث ودراسة الطاقة البديلة في محاولة للتخفيف من أزمة الكهرباء
والطاقة المتصاعدة في غزة.
ويعاني قطاع غزة من أزمة في الكهرباء حرمت السكان مؤخراً من الكهرباء معظم ساعات اليوم لأسباب
معظمها سياسي. ويحتاج قطاع غزة إلى 300-350 ميجا وات من شبكة كهرباء لم يدخل عليها
أي تطوير منذ سنة 1967م بينما المتوفر حالياً في أحسن الأحوال 128 ميجا وات.
فكرة ترى النور
في مكتبه بالطابق الأول في كلية الزيتونة للعلوم والتنمية يبدو عميد
الكلية إياد عقل متحمساً وهو يشرح الفكرة.
ويقول: " جااءت فكرة جهاز خط الأمان نتيجة عصف ذهني ودراسة،
والقصد من جهاز خط الأمان توزيع الطاقة الكهربية المتوفرة والتحول من معادلة قطع
ووصل التيار إلى التبديل بين خط الأمان والخط المفتوح".
يعمل الجهاز على توفير حد أدنى من الطاقة لكل المشتركين تكفي لتلبية
(70%) من الاحتياجات من خلال توزيع كمية الطاقة المتوفرة بينما تكمن فكرته التقنية
ضمن منظومة عمل تسمح بالتحكم في الأحمال والتبديل بينها وفقاً لواقع الطاقة.
ويضيف عقل: إن "خط
الأمان" يعطي المستهلك في غزة الحد الأدنى من الطاقة الكهربية بمعدل يتراوح
ما بين 500-1000 وات , وهو ما لن يحرمه الإنارة وبعض الأجهزة الخفيفة كل ساعات
اليوم .
وأوضح أن كليته عرضت الاختراع على رئيس سلطة الطاقة المهندس كنعان
عبيد ونائب رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد عوض، وقد استمع كلاهما لوفد كلية
الزيتونة الذي زارهما قبل أسابيع متفاجئين مما توصل له الخبير الحزقي .
وأكد عقل أن كليته قدمت لوزارة الاقتصاد طلباً للحصول على براءة
اختراع وأنها تدرس طرح الجهاز والمنظومة لإنتاج وحدات تجارية منه .
رئيس سلطة الطاقة كنعان عبيد وصف اختراع "خط الأمان" بأنه
فكرة جديدة أجابت على أسئلة توقف عندها عدد كبير من المختصين والباحثين عن حل
لأزمة كهرباء غزة.
وقال عبيد:" تدور فكرة عمل الجهاز حول ترشيد الاستهلاك الذي تسعى
سلطة الطاقة لنشره لتجاوز الأزمة, وفوائده عملية وقابلة للتطبيق".
الحاجة أم الاختراع
يبدو خبير الأجهزة والمحولات الكهربية إياد الحزقي واثقاً من تفاصيل
وديناميكية العمل المجربة في جهاز "خط الأمان".
وقد بدأ الحزقي حديثه معنا بشرح مختصر لواقع توفر الطاقة الكهربية في
قطاع غزة في ظل العمل بجزء محدود من طاقة شركة توليد كهرباء غزة الوحيدة.
وأضاف:"بسبب أزمة الوقود وتوقف شركة التوليد يتم توزيع الكهرباء
على أهالي غزة وفق 3 مراحل, الأولى: فصل 8 ساعات ووصل 12 ساعة وهكذا, الثانية: فصل 8 ساعات
ووصل 8 ساعات وهكذا, الثالثة: فصل 12 ساعة ووصل 6 ساعات وهكذا" .
ويؤكد أن قطاع غزة يحصل حالياً على 120 ميجا وات من إسرائيل و22 ميجا
وات من مصر بينما تقدم شركة توليد كهرباء غزة في أحسن أحوالها 80 ميجا وات، ومع
نقص الوقود اللازم لتوليد الكهرباء تقدم المحطة 40-60 ميجا وات.
وعاشت غزة أزمة خانقة قبل شهرين بسبب أزمة الوقود، أدت إلى تعطل شركة
توليد الكهرباء بشكل كامل ما أدخل الناس في برنامج القطع والوصل من المرحلة
الثالثة، أي 6 ساعات كهرباء يعقبها انقطاع 12 ساعة.
ويتابع: " درسنا كل البدائل لتخفيف أزمة كهرباء غزة فوجدنا أن المشكلة
تكون وقت الذروة حيث لاتكفي الكهرباء للجميع ما أدى للحرمان من ثلثي التيار
المطلوب، فأسوأ أحوال أزمة الكهرباء قدمت ثلث الكمية المطلوبة وحرمت الناس من ثلثي
المطلوب لسد حاجتهم. ومعظم ما يريده المستهلك المنزلي هو التلفاز والمراوح
والإنارة .
ويضيف: بإمكان الجهاز تخفيف الحمل من الحمل المفتوح إلى 500 وات فقط
ما يكفي لـ60% من احتياجات كل منزل مما سيخفف الأحمال بشكل عام ويوفر الكهرباء
بطاقة محدودة 500 وات تقريبا لكل المنازل دفعة واحدة .
أعمل على الثلث
اعتبرالحزقي أن الطاقة الكهربية المتوفرة هي فقط الثلث وأن المطلوب
توزيع هذا الثلث على كل محافظات قطاع غزة في ثلاثة أوقات هي الصباح والظهيرة
والمساء .
وأكد أن الفكرة تقوم على تغطية حاجة المصانع والمؤسسات من 8 صباحاً حتى
الثانية أو الرابعة ظهراً بطاقة كهرباء وحمل مفتوح، وفي هذه الفترة يتم تخفيف
الأحمال عن المنازل.
أما المرحلة الثانية فتكون بعد الساعة 4 ظهراً ويتم فيها تخفيف طاقة
كهرباء المصانع وزيادة الحمل نحو الاستهلاك المنزلي ما يعني أن جوهر الفكرة يقوم
على التبديل بين الأحمال.
ويقف الحزقي بجوار علبة حديدية بيضاء بداخلها جهاز "خط
الأمان" الذي يخفف الأحمال بطريقة تحكم جربها بنفسه أكثر من مرة .
تحرك بين كومة من الأجهزة والتمديدات الكهربية قبل أن يشرح آلية العمل
والتمديدات اللازمة لنجاح الفكرة .
وأضاف:"سنثبت صندوق للتحكم على أحد الأعمدة الخاصة بشركة
الكهرباء وهو المنفذ الرئيس للكهرباء الذي يخرج منه خط يدخل المنزل، وسنأخذ الخط
الواصل من الشارع لعلبة التجميع المنزلية ونثبت عليها جهاز خط الأمان".
ستدخل الكهرباء حسب الفكرة بذات الفولتية المعهودة "220
فولت" لكن جهاز خط الأمان لن يخرجها لكهرباء المنزل إلا حسب تبديل الأحمال
المتحكم به عن بعد وهي"500 وات" فقط .
وأكد أن الشركة ستتحكم وفق نظام تحكم عن بعد بأوقات تخفيف الأحمال
وزيادتها دون أن يستطيع أي مستهلك التحكم بالحمل الكهربي إلا إذا حطم جهاز
"خط الأمان"وهنا سيدل نظام التحكم عن المخالفة، وفي أي خط ومكان ارتكبت
.
قام الحزقي بوصل عدة أجهزة ذات أحمال متفاوتة منها "لمبة إنارة
" ومدفأة، فقام جهاز"خط الأمان" بالفصل حين توصيل المدفأة التي يزيد
حملها على 500 وات.
كما قام بتجربة جهاز تحكم عن بعد تمكن من خلاله من تخفيف وزيادة الحمل
الكهربي المسموح به لكل خط على حدة وفق برنامج تحكم شامل .
أرقام ومعادلات
انتهزعميد كلية الزيتونة إياد عقل حديث الخبير الحزقي عن آلية توزيع
الأحمال لكتابة بعض الأرقام والمعادلات الحسابية.
كما انتهزبرهة الصمت التي تلت انتهاء شرح الحزقي لكيفية توزيع الأحمال
ليقول إن عدد المشتركين في خطوط الكهرباء بقطاع غزة 180 ألف مشترك تقريباً .
وأضاف:"طبعاً نحن نريد توزيع 128 ميجا وات متوفرة على 180 ألف
مشترك بواقع 500-700 وات مثلا كحد أدنى وهذا غير ممكن, لكننا سنوزع 700 وات على كل
مستهلك دون أن نسمح له بتجاوزها".
وأضاف إن 128 ميجا وات ستوزع على 3 فترات: الصباح – الظهيرة –المساء، ليكون نصيب كل مشترك 2.1 كيلو وات ويكون الحمل
المفتوح 2.1 كيلو وات .
وبقسمة حسابية أكد أن بعض المؤسسات الحيوية لا تستغني عن الكهرباء
مطلقاً وهي بحاجة لـ10ميجا وات بينما يبقى للمصانع 14 ميجا والمنازل 78 ميجا وبذلك
تكون كلها مجتمعة 128 ميجا وهي كامل الطاقة المتوفرة إجمالاً .
ويتابع: "في فترة الصباح حين تكون ذروة عمل المصانع سأقسم 78
ميجا وات على 156 ألف مشترك منزلي فيكون نصيب كل منزل 500 وات فقط" .
وفي الفترة من الساعة 2 ظهراً إلى 12 مساءً يخف حمل المصانع وهنا
ستكون المعادلة "156 ألف مشترك مقسوم على 6 ساعات كهرباء فتكون النتيجة 26
ألف مشترك يأخذون40 ميجا وات .
وبناءً على ما سبق سيكون نصيب كل منزل 1.53 كيلو + 500 وات من الحد
الأدنى المتوفر طول اليوم= 2.3 كيلو وات .
ومن الممكن أن يساهم جهاز "خط الأمان" في إنارة منازل ومؤسسات قطاع غزة المحاصرة دفعة واحدة في أسوأ أوقات أزمة الوقود والطاقة الكهربية لتتجدد الثقة بالمثل القائل "الحاجة أم الاختراع".

|