تقارير وتحليلات

ماذا وراء تفجر الحرب بين جوبا والخرطوم حول هجليج؟!

الجيش السوداني
الجيش السوداني
علامات أونلاين- وكالات- محمد سالم: - 2012-04-17 16:29:06

مع زخات الرصاص المتصاعد بين شمال وجنوب السودان حول هجليج ، تدخل السودان ساحة المعارك الحربيسة الطاحنة التي تكاد تكون المرحلة الأخيرة من مخطط عدائي لتوريط السودان في المستنقع الآسن الذي ظلت حبيسة فيه طوال 30 عاما ، أنهتها اتفاقات السلام في 2005 واعلان انفصال الجنوب في 2011 ...

ففي تطورات متسارعة، احتلت قوات جنوب السودان منطقة هجليج النفطية الأسبوع الماضي ، فانتقلت الأزمة من العراك السياسي إلى الحرب العسكرية المباشرة، بدوافع من دول وقوى غربية وتدعيم لدولة الجنوب  في حين أعلنت الدولتان حالة الاستعداد التام لها، وتزامن مع ذلك سعي حثيث من الجانب المصري لإيقاف الأزمة في حين يقف المجتمع الدولي موقف المشاهد الذي ينتظر حسم الأمر لتقسيم الكعكة بعد انهيار السودان .

ولعل الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي كانت تتفاوض فيه الدولتان في أديس أبابا، كانت قوات الجنوب تتحرك صوب هجليج التي حاولت دخولها قبل أسابيع ولم تنجح في ذلك، مما يعني إصرار الجنوب على دخول هذه المنطقة بأي شكل رغم أنها من المناطق غير المتنازع عليها.

 واعتبر كثير من المراقبين أن طاولة التفاوض كانت تعني للجنوبيين إلهاء الخرطوم عن تحركاتهم العسكرية تجاه المنطقة، وأن وجودهم في أديس أبابا كان لكسب الوقت لا أكثر، فلماذا هجليج، ولماذا الإصرار عليها؟وما موقف الغرب من تلك الحرب المتوقعة وهل سصل الطرافان إلى اتفاق أم لا ؟!

السودان يتأهب للحرب الشاملة

الرئيس السوداني عمر البشير اعتبر أن الجنوب اختار طريق الحرب لحساب أجندة خارجية، بينما هدد بعض أعضاء حكومته بالرد داخل العمق الجنوبي، كما أوقف البرلمان السوداني كل مسارات التفاوض مع دولة الجنوب إلهاء الخرطوم.

اعتبر القيادي بالمؤتمر الوطني الدكتور ربيع عبدالعاطي، أن الحرب بدأت بشكل فعلي بين الشمال والجنوب، معتبراً دخول قوات دولة الجنوب إلى هجليج واحتلالها هو تدشين للمعركة.

 وأضاف: أن الجنوب راهن على سقوط الحكومة في الخرطوم عندما أوقف ضخ نفطه، ولما تجاوزت الخرطوم الأزمة لم يبق إلا وقف ضخ البترول السوداني مما يتسبب في خنقه اقتصاديا، ومحاولة ابتزاز الحكومة السودانية لتقديم التنازلات في بقية القضايا.

وأشار إلى وقوف جهات خارجية مؤثرة وراء هذا الهجوم الأخير، ما يبرر موقف رئيس دولة الجنوب سلفا كير وتعنته برفض خروج قواته من المنطقة رغم المطالبات الدولية بذلك.

وقال: الوضع الحالي إن لم يقد البلدين إلى حرب شاملة فإن ما تخلفه تبعاته وتداعياته يصبح خطيرا جداً، مشددا على أن ما كسبته الحركة الشعبية بالسلاح ستخسر أكثر منه، مضيفا: يجب أن يكون هناك تحرك عسكري الآن واسع النطاق لأن هناك غضبا شعبيا وغليانا في الشارع السوداني، ولإعادة الأمور إلى نصابها لا بد من استرداد ما تم سلبه بالقوة والاستجابة لصوت الشعب ورد الصاع بأكثر من صاعين بتلقين دولة الجنوب درساً بصعقة عالية تعيدهم إلى رشدهم.

وفي الاتجاه نفسه، يرى القيادي بالحزب الحاكم عضو المجلس الوطني الدكتور إسماعيل الحاج موسى أن الخيار العسكري والحاسم هو الحل القاطع للتعامل مع دولة جنوب السودان ورد العدوان بمثله بل أكثر من ذلك، مشيرا إلى أن سلوك دولة الجنوب لم يتغير منذ 2005.

وفي ذات السياق أعلن البرلمان السوداني أن الخرطوم "تعتبر حكومة جنوب السودان عدوا للسودان وعلى مؤسسات الدولة السودانية معاملتها وفق لذلك".

وقال رئيس البرلمان أحمد ابراهيم الطاهر "إن السودان سيصادم الحركة الشعبية "الحزب الحاكم في جنوب السودان" حتى ينهي حكمها للجنوب" الذي أعلن استقلاله رسميا في يوليو 2001 بعد حرب أهلية مدمرة استمرت من 1983 إلى 2005، مضيفا "نعمل للملمة كل مواردنا لتحقيق هذا الهدف".

ومن جانبه أكد المهندس عبد الله على مسار، وزير الإعلام الناطق الرسمى باسم الحكومة السودانية، أن القوات المسلحة تتقدم نحو حقل "هجليج" النفطى بولاية جنوب كردفان الذى تحتله قوات "الحركة الشعبية" التابع لدولة جنوب السودان، وتمتلك زمام المبادرة.

وقال مسار فى تعقيبه على موافقة البرلمان فى وقت سابق الاثنين بالإجماع على تصنيف "الحركة الشعبية" كدولة معادية، "إن الضربات الأخيرة للقوات المسلحة زعزعت صفوف المعتدين وأدخلت الرعب والفزع فى قلوبهم"، وأشار إلى أن طبيعية منطقة هجليج وكونها حقلا للبترول جعل العمل العسكرى يمر ببطء.

وتحدث الوزير عن ورود معلومات تشير إلى تخريب المعتدين لمكاتب وآبار البترول بهجليج، ونوه بجهود وزارة الخارجية والدور الدبلوماسى الذى قامت به، ما أسهم فى صدور العديد من البيانات من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية التى تطالب بخروج الحركة الشعبية من هجليج فورا دون شروط.

وطالب السودان بضرورة انسحاب قوات الحركة الشعبية التابعة لدولة جنوب السودان من "هجليج" ومن ثم النظر في التفاوض بشأن القضايا العالقة بين البلدين، محمّلا جنوب السودان مسؤولية إي تخريب يحدث لآبار ومنشآت البترول.

وفيما يخص الهجوم على معسكرات قوات حفظ السلام نفى السودان أمس الاثنين، قيامه بقصف معسكر قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة داخل دولة جنوب السودان.

وأكد العقيد الصوارمى خالد سعد، الناطق الرسمى باسم القوات المسلحة أن القوات المسلحة السودانية ليس لديها علاقة بما يجرى داخل ولاية الوحدة بدولة جنوب السودان.

الجنوب لن يتراجع

وفي المقابل قطع رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت بعدم خروج قواته من هجليج التي اعتبرها تارة من ضمن أراضي دولته، وتارة اشترط خروجه منها بخروج الجيش السوداني من أبيي. وزاد عدد من قادته في الشروط ووصلت إلى خروج الجيش السوداني من كل المناطق الحدودية المتنازع عليها.

وقامت اليوم بعرض الأسرى السودانيين لديها على أجهزة الإعلام، مما عدته الخرطوم انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الخاصة بحماية أسرى الحرب، وقال بيان صادر عن الخارجية السودانية إن الأسرى هم من العاملين بمستشفى هجليج ومن المرضى ومسؤولي الحراسة في المنطقة، معتبرة أن السلوك الجنوبي انتهاك للقانون والمواثيق والأعراف الدولية، ويعكس "ضعف روح المسؤولية والحس الوطني لدى حكومة الجنوب.

لماذا هجليج

تقع منطقة هجليج قرب الحدود مع دولة جنوب السودان وتبعد نحو 45 كيلومتراً إلى الغرب من منطقة أبيي بولاية جنوب كردفان، وتعتبر من المناطق الغنية بالنفط والمهمة اقتصادياً ومن أولى المناطق التي بدأت بها الحكومة السودانية استخراج النفط منتصف التسعينيات، ويوجد فيها حوالي 80 بئرًا من النفط تغذي الاقتصاد بإنتاجية تتجاوز الـ20 ألف برميل يومياً حسب بعض التقديرات. وتضم هجليج محطة ضخ النفط الرئيسة التي تضخ نفط الشمال.

من الناحية الاستراتيجية تعتبر هجليج البوابة الرئيسة لولايات جنوب وشمال كردفان وشرق وجنوب دارفور، نظرًا لامتداد سكانها الذين ينتمون قبلياً لهذه الولايات كقبائل المسيرية والرزيقات وبعض القبائل الأخرى من الشمال، كما تعتبر هجليج إلى جانب موقعها الاستراتيجي الممول الرئيس لموازنة الدولة بما تبقى من نفط عقب انفصال الجنوب لأنها المنطقة التي تبدأ منها جميع أنابيب نقل النفط إلى الخرطوم أو بورتسودان.

ولم تكن هجليج محل صراع بين السودان ودولة الجنوب حتى عندما كانت الخلافات تشتعل حول منطقة أبيي لوجودها في عمق الأراضي السودانية بجنوب كردفان، وتوجد بالمنطقة حقول البترول الشمالية وفي الجهة المقابلة لهجليج توجد ولاية الوحدة وفيها كذلك آبار بترول تابعة لدولة حكومة الجنوب بمعنى أنها منطقة حدودية ومنطقة فيها بترول وهذه الآبار البترولية نصفها هنا في الشمال والنصف الآخر في الجنوب ووفق اتفاقية نيفاشا فإن أصول البترول حسب خط الترسيم ما يقع منها شمالاً يكون تابعاً للشمال وما يقع منها جنوباً يكون تابعاً للجنوب، ووفقاً لهذا التقسيم قد تكون هذه المنطقة منطقة مصالح مشتركة ولكن لا نزاع حول ترسيمها وهي تبعد حوالي 70 كيلومتراً من الحدود الجنوبية.

كما تضم محطة معالجة خام النفط الرئيسة، وخزانات للوقود الخام بسعة تزيد على 400 ألف برميل، ونحو 19 معسكرًا لموظفي الشركات العاملة في مجال النفط، منها المحلية والأجنبية، بجانب محطة كهرباء تغذي كل حقول النفط في المنطقة، وهي المحطة التي بدأ بها الاعتداء على المنطقة في 28 مارس الماضي.

وتعتبر الداعم الاقتصادي الأول للخزينة نتيجة وجود غالبية إنشاءات البترول الرئيسة بها، كما ساهم وجود شركات النفط بالمدينة في التنمية المحلية والتقليل من حدة البطالة في كثير من المناطق المجاورة لها رغم بعض الشكاوى من عدم الاستفادة منه من بعض قبائل المنطقة.

أيادي خارجية

وكشف تقرير دولي عن تقديم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسرائيل، دعماً مباشراً للعمليات العسكرية التي يقوم بها التمرد بولاية جنوب كردفان بدعم من حكومة جنوب السودان، بجانب دعم ومساندة المتمردين بغية تغيير الحكومة القائمة في الخرطوم، منوهاً أن الدول التي تدعم دولة الجنوب والمتمردين لاقتحام مناطق حدودية وإستراتيجية بالسودان هي ذاتها التي ساندت النائبان الديمقراطي (جيم مكقفرن) والجمهوري (فرانك وولف)، بالضغط على مجلس النواب الأمريكي باستصدار قانون يحمل اسم مشروع سلام وأمن السودان، معتبرة ذلك الأمر أحد الآليات السياسية بالضغط على حكومة السودان ويمثل ماقام به (جون كلوني) احد اضلاع آليات الضغط الاعلامي على السودان .

وأكد التقرير أن الدول الغربية تسعى بكافة السبل لتغيير النظام الحاكم في الخرطوم فضلاً عن ايصال الدعم للمتمردين لاقتحام كادقلي ومنها للخرطوم.

مضيفاً أن حكومة الجنوب تقدم دعماً مباشراً للمتمردين بغرض الاعتداء على مواقع أخرى عند الحدود مع السودان قبل نهاية الشهر الجاري مبيناً أن خبراء أمريكان وفرنسيين موجودين الآن مع المتمردين لرسم الخطط لإسقاط الحكومة والضغط عليها بكافة الوسائل السياسية والعسكرية .

 ولفت التقرير إلى أن الغرض الأساسي للدعم العسكري لدولة الجنوب والمتمردين وفرض قانون لمحاسبة السودان من قبل الدول الغربية لتحريك حملة دعائية غربية تجاه السودان لتشبيه الأوضاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق بما حدث في دارفور عام 2003م

ويرى خبراء أن الدعم الخارجي المتواصل لحكومة الجنوب وجيشها الشعبي يعد عملاً موجهاً لرعاية مصالح الدول الغربية، والتي ترى بدورها أن حماية تلك المصالح لا يتحقق الا بوجود علاقة متينة مع دولة الجنوب الوليدة، وظهر ذلك جلياً من خلال دعم موقف دولة الجنوب في خلافها مع السودان حول النفط والقضايا الأخرى، وصل فيها الدعم إلى شراء البترول وهو داخل الأرض، بجناب التعهد بدعم الولة الوليدة إلى حين خروجها من هذا النفق.

 وقال البروفسير ديفيد ديشان رئيس حزب الجبهة الديمقراطية لجنوب السودان أن الهجوم الأخير خططت له قوى دولية بمشاركة المرتزقة بدولة يوغندا بجانب إسرائيل وامريكا ليتم تنفيذه بواسطة الحركة الشعبية مبيناً إن إسرائيل تقوم بدعم حكومة الجنوب بالإمدادات العسكرية المتمثلة في الأسلحة والتدريب العسكري.

 داعياً المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية لإتخاذ تدابير حاسمة لإيقاف تفلتات دولة الجنوب محملاً الحركة الشعبية مسئولية التدخل السافر في شئون السودان الداخلية.

حصاد الحرب

تصاعدت أزمة الوقود في في دولتي شمال وجنوب السودان جراء الحرب مما أدى لصاعد أزمة زحام السيارات في محطات الوقود للحصول على البنزين والسولار مع نفاد الوقود بفعل النزاع بين الجنوب والشمال على النفط والحدود.

كما تصاعدت أزمة الدولارات في الخرطوم والجنيه بما يقارب الانهيار عقب استيلاء الجنوب على حقل نفط هيجلج حيث قال تجار عملة إن الجنيه السوداني سجل مستوى منخفضا تاريخيا في السوق السوداء مع تكالب الناس على تحويل المدخرات إلى الدولار تخوفا من تفاقم أزمة اقتصادية بعد استيلاء جنوب السودان على حقل نفط رئيسي.

ويعاني السودان أزمة اقتصادية منذ انفصال الجنوب في يوليو حيث استحوذت الدولة الوليدة على ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط، في حين يجد المواطنون صعوبة في شراء العملة الصعبة بالقنوات القانونية. ودفع فقدان إيرادات النفط تكاليف الواردات للارتفاع وأجج تضخم أسعار الغذاء.

وكان هجليج ينتج نحو نصف إمدادات النفط السودانية البالغة نحو 115 ألف برميل يوميا، لكن الإنتاج هناك توقف بسبب القتال حسب ما ذكر مسؤولون.

وقال متعاملون إن سعر الدولار الأميركي اليوم بلغ 6.1 جنيه سوداني في السوق السوداء، وهو مستوى تاريخي منخفض منذ طرح الجنيه السوداني في 2007. وفي الأسبوع الماضي، كان سعر العملة الأميركية 5.6 جنيه. واستقر سعر الصرف الرسمي دون تغيير عند نحو ثلاثة جنيهات للدولار. وقال متعامل «لا توجد دولارات في السوق.. لا أحد في السوق سيبيعك دولارات».

وكانت دولة جنوب السودان الجديدة، والتي تشكل عائدات النفط 98% من ميزانيتها قد اوقفت صادراتِها النفطية بالكامل عبر السودان بسبب عدم اتفاق الطرفين على الرسوم التي يجب ان تدفعها جوبا الى الخـرطوم مقابل ترانزيت النفط.

مبادرة لحل الأزمة

القاهرة مصرة على ضرورة إيجاد حلول للأزمة التي ترى أنها ستقف أمام بناء علاقات طيبة بين السودان وجارته الجديدة، داعية إلى حقن الدماء وصون ممتلكات الشعبين.

وكان الرئيس السوداني عمر البشير تلقى رسالة شفهية من رئيس المجلس العسكري المصري محمد حسين طنطاوي عبر وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو عارضا من خلالها استعداد مصر للعب دور الوسيط من أجل احتواء الأزمة التي فجرها احتلال دولة الجنوب لمنطقة هجليج السودانية مؤخراً.

لكن البشير أبلغ المبعوث المصري أن السودان فقد جزءا عزيزا من أراضيه (بانفصال الجنوب) من أجل السلام وخلق علاقات طبيعية مع جوبا "لكن حكومة الجنوب ظلت تقابل الإحسان بالعدوان وآخره اعتداؤها السافر على هجليج (المنطقة التي لم تكن من المناطق المختلف عليها) وعلى مرأى ومسمع العالم".

من جهته أكد وزير الخارجية المصري -الذي وصل العاصمة الجنوبية جوبا وبدأ لقاءات مع مسؤوليها اهتمام بلاده الكامل بالأزمة، مشيرا إلى أن القاهرة أجرت اتصالات عدة مع المسؤولين في الخرطوم ونظرائهم في جوبا وعدد من دول الجوار "بهدف نزع فتيل الأزمة".

وقال: إن القاهرة مستعدة للتوسط بين الطرفين "وسنطرح في جوبا ذات الرغبة مع الاستعداد للتوسط والعمل من أجل تحقيق علاقات طبيعية بين السودان وجنوب السودان"، مطالبا بوقف الحرب حقنا للدماء وصونا للممتلكات.

وأكد أنه يسعى لاستكشاف الدور الذي يمكن أن تقوم به القاهرة لنزع فتيل الأزمة، مشيرا إلى أنه من المبكر تسمية ما تقوم به بلاده بالوساطة، وقال "نحن هنا للاستماع ومعرفة الحقائق ومن ثم بلورة مقترحات ورؤى يمكن أن تساعد في الحل وترد الحقوق".

من ناحيته قال وزير الإعلام في دولة الجنوب برنابا بنجامين إن جوبا ترحب بالدور المصري الذي وصفه بالمهم، وعبر عن أمله في أن تكلل جهود مصر بالنجاح.

الوضع أكبر من ذلك

غير أن محللين سياسيين استبعدوا نجاح القاهرة في تليين مواقف الطرفين على الأقل في الوقت الراهن، مشيرين إلى تمسك كل طرف بموقفه. فقد استبعد المحلل السياسي محمد علي سعيد نجاح الجهد المصري في نزع فتيل الأزمة. ورأى أن هناك جهات -لم يسمها- لها المصلحة في استمرار التوتر بين جوبا والخرطوم.

لكنه لم يستبعد كذلك في حديثه للجزيرة نت إمكانية نجاح مصر في إقناع الطرفين "على الأقل" بوقف المواجهات العسكرية الحالية والوصول لهدنة أو الجلوس للتفاوض بشأن ترسيم الحدود، مشيرا إلى تشدد كل طرف في موقفه.

أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين حسن الساعوري فقد أكد أن الطرفين غير مستعدين لقبول أية دعوة دولية، متوقعا أن "تحسم الأزمة عبر القوة العسكرية"، وموضحا أن جوبا منحت الخرطوم فرصة كبيرة لحسم كافة مواقع الاختلاف.

وتوقع أن ينتقل السودان بعد تحرير هجليج إلى مواقع أخرى يجد المتمردون فيها دعما من جوبا لتأمين كل حدوده مع الدولة الوليدة، مشيرا إلى أن الاستنفار الذي أعلنته الحكومة السودانية لم يجد الرفض من كافة قوى المعارضة "وبالتالي فإنها ربما لن تتوقف إلا بحسم كل الأمر".

خلط الاوراق

ويرى خبراء أن إعلان الإستنفار والتعبئة يعد خطوة طبيعية، رداً على اعتداءات الحركة الشعبية المتكررة على عدة مناطق بجنوب كردفان، بجانب الدعم الواضح الذي تقدمه حكومة الجنوب لحركات دارفور ممثلة في تحالف الجبهة الثورية.

 التخبط الواضح فى سياسات دولة الجنوب الوليدة، بجانب النزعات القبلية وتأثير الصراعات القلبية الدائرة، بجانب التهافت على المناصب بين مكونات الجنوب، اظهرت حالة من الإرباك في سياسة دولة الجنوب مع السودان، وهذا ما ظهر جلياً في الهجوم الآخير على هجليج الأمر الذي يوضح أن هناك نزاع قائم بين السلطة الساسية والميدانية، بالاضافة إلى ضغوط واملاءات الدول الغربية التي تعتبر الجنوب الملاذ الآمن لبسط سيطرته على العمق الافريقي وحماية مصالحها بالمنطقة.

 والواضح أن التخبط في سياسة دولة الجنوب، وشنها للحرب بجنوب كردفان وراءه قيادات ولوبيات ضاغطة في حكومة الجنوب، الأمر الذي جعل خلط الأوراق من جديد في إتجاه نحو التصعيد.

يبدو أن الساعات القليلة المقبلة تحمل في طياتها كثيرا من الأحداث، فتصريحات الحكومة السودانية تؤكد قرب ساعة الحسم، وأنها لن تقف إلا بعد تأمين شامل للحدود داخل العمق الجنوبي. وتصر على تلقين حكومة الجنوب درسا كي لا تفكر مستقبلا في مثل تلك المغامرات. وبدورهم يؤكد قادة جنوب السودان أنهم لن يخرجوا من هجليج ولن يتوقفوا إلا بعد دخول قواتهم إلى منطقة أبيي وتحريرها حسب وصفهم. ويوحى هذا الجو المشحون بأن البلدين انزلقا فعلا إلى ما يخشاه كل عاقل، فهل كانت هجليج بداية المعركة أم هي الوخزة التي يفيق بها الطرفان ويعودان إلى رشدهما؟


الحكم الذي أصدره قضاء الانقلاب ببراءة المخلوع حسني مبارك يعتبر من وجهة نظرك:

نتائج التصويت