دعوة

في الانتخابات (2).. حرمة كتمان الشهادة بالامتناع عن التصويت .. رؤية شرعية

الشيخ جعفر الطلحاوي
الشيخ جعفر الطلحاوي
بقلم / الشيخ جعفر الطلحاوي - 2012-06-13 21:15:32


الامتناع عن التصويت والمقاطعة للانتخابات أو التصويت لغير الأكفأ، يُحرّم، لما يترتب علي ذلك من ضياع الحقوق وتمكين غير الكفء وغير الأمين ، فَيَحْرُمُ عَلَي صاحب الصوت والحق في الانتخاب المقاطعة والسُّكُوتُ؛ لأِّن فِي مقاطعته وسُكُوتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ وَهُوَ مُحَرَّمٌ

 وأيضا قد تقرر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأدلة القطعية ووجوب تأدية الشهادة بالإدلاء بالصوت من هذا القبيل لا سيما عند خشية فوت الحق وعلى هذا حمل حديث: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي شهادته قبل أن يُسألها[1](،

فمن امتنع ولم يشارك – أو أعطى صوته لغير الأكفأ - كان تاركا لما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن معالم الولاية بين المؤمنين وبعضهم البعض في المجتمع المسلم تحقيق هذه الفريضة.

 التصويت أمانة

 فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ  الأحد عشر – التي ذكرناها في مقال سابق - كُلِّهَا الْقِيَامَ بِالشَّهَادَاتِ كُلِّهَا، وَالْإِعْلَانِ بِهَا فَرْضٌ لأِنَ الْمَقْصُودَ بِهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ ، وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَسَائِرِ الأْمَانَاتِ، وَلأِنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ولِمَن - سيلي أمورهم - وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[2]

 فلا بد من أداء الأمانة ورعايتها ففي سورة (المؤمنون)  عطف القيام بالشهادة على الرعاية للأمانة والعهد وأردف ذلك بالمحافظة على الصلاة في أوصاف المكرمين في الجنة من سورة المعارج  ولك أن تتأمل هذه الأوصاف الثلاثة (الرعاية، والقيام ، والمحافظة ) كل هذا يدلك على عِظم مكانة وأهمية  الشهادة.

 استشعار رقابة الله

 لما نهي الله تعالي عن كتمان الشهادة،  أشعر المولى عز وجل برقابته ، واطلاعه على ما تضمره القلوب، وما تُكنُّه الصدور، لدي كل من الناخبين، والمراقبين والقائمين بعملية الفرز، وإعلان النتائج، فقال تعالى عقب النهي عن كتمان الشهادة  -  وقد  تكرر هذا المعنى في أكثر من موضع من كتاب الله تبارك وتعالي تربية للمهابة والتوقير والتعظيم لله تعالى ومن ذلك  قال (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ[3])

 شهادة الزور في الانتخابات

 التصويت للمحسوبين على النظام البائد ولغير المستحقين ، ولمن في قلوبهم شك في صلاحية دين الله لإقامة حياة فاضلة لكل البشر، شهادة بالزور وقد حرمها الله تعالى بقوله {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ[4]} وهنا أمر على غاية من الأهمية ، عندما نهي المولي عز وجل عن قول الزور جاء النهي مقرونا بالنهي عن الشرك وعبادة الأوثان وليست هذه المجاورة ارتجالا، وإنما تدل على عِظم جرم شهادة الزور في الشريعة التي أنزلها الله تعالي لإقامة العدل بين الناس وكما أن الشرك ظلم بل ظلم عظيم فكذا شهادة الزور وقول الزور ظلم عظيم كما سَنُبَيِّن .

 ومما يدل على تحريمها أيضا ثناء الله تعالى على عباد الرحمن فقال {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ[5]}

 والشهادة بالزور من أكبر الكبائر، فالمؤمن والمؤمنة يشهدان بالحق الذي عندهما لا يزيدان ولا ينقصان، ولا يكتمان الشهادة بل يؤديانها على وجهها، وقد تعالى ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً[6])

  التصويت للمستحق تعاون على البر والتقوي

 التصويت للمستحق من خلال معرفة برنامجه الانتخابي، الذي يراعي فيه متطلبات الرعية في المرحلة الراهنة والمستقبلية بما يتوافق مع دينها وقِيمها ومثلها بلا إفراط ولا تفريط من باب التعاون على البر والتقوي وذلك واجب؛ لأنه وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق،والتصويت لغيره ذنب عظيم، وإثم كبير وتعاون على الإثم والعدوان لما فيه من ضياع الحقوق وإلحاق الضرر بالآخرين ، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[7] )

 لهذا كله كانت الشهادة بالحق في مثل هذه العملية فرض عين على متى تم التداعي إليها وخيف من ضياع الحق، بل تجب إذا خيف من ضياعه ولو لم يدع لها[8]

 وفي عدم التصويت – أو التصويت بالزور – ضرر منهي عنه شرعا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –في الحديث الصحيح: (لا ضرر ولا ضرار[9])

 واجب اللجان الانتخابية والمشرفين عليها

 واللجان الانتخابية ، والقضاة المشرفون عليها مسؤوليتهم عظيمة أمام الله تعالى ومن واجبهم منع التزوير – أيًا كان شكله ونوعه – ومن واجبهم تحضير الشهود العدول لا المجروحين لقوله تعالى ( وَأشْهدُوا ذوى عدلٍ مِنْكُم وَأقِيمُوا الشَّهَادَة لله ) فغير العدول شهادتهم غير مقبولة، ومن واجبهم عدم السماح بالعبث بصناديق الاقتراع في مدخلاتها ومخرجاتها. لقد عرف القاصي والداني كيف كان يتم تقفيل صناديق بالكامل للمرشحين، وكيف كانت نسبة الإقبال ضعيفة  قبل الثورة ومع ذلك كانت النِسَب قياسية في العلو

أدلة من الأحاديث الشريفة

*عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ[10]».أنت مؤتمَن على بناتك فتختار لهنّ مَن فيه خير لهنّ في أمرِ الدين والدنيا، لا تردَّ كُفئًا تقدَّم إليك تعلم خيرَه وصلاحَه، وهو الشأن نفسه فيمن تقدم لولاية أمر الأمة

فكما أن الشرع الحنيف لا يُبيح لك أن تمنح الولاية على ابنتك، في عقد الزواج ، إلا لِمَن ترضي دينه وخلقه، فكذا ولاية الأمة، وإلا ترتب على ذلك فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ، وسبحان الله لعلك بتأملك في منطوق الحديث أن هناك من يُرتضي دينه وخلقه، وهناك دون ذلك هذه واحدة والثانية : من لم يُرتض دينه وخلقه ، في مساعدته في إبرام هذا العقد تقع فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ، أيُطَالبنا الشرع بمراعاة ارتضاء دين وخلق المتقدم للارتباط بابنة من بناتنا ، ونُغفل هذا الارتضاء في المتقدم لولاية أمرنا، إن هذا لشيء عجاب؟! إذا ترتب على العقد لرجل على امرأة ، ولم يكن دينه ولا خلقه محل رضانا ، فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ،  فكيف يكون الأمر في ولاية أمور الأمة؟  ألم يتم تزوير الانتخابات، والتحايل على إرادة الأمة؟ ألم يتم إفساد الحياة السياسية ، ألم يتم تلفيق الدستور؟ كم من بلايا وقعت؟ أبعد هذا من فتنة وفساد عريض؟. لهذا  نقول بضرورة أداء الشهادة على وجهها في الانتخابات ، وعدم الامتناع عن المشاركة فيها ، إحقاقا للحق ، وإزهاقا للباطل،  وتنحية لسبل الفساد والإفساد والمفسدين، وقطع الطريق على أذناب النظام السابق من العودة إلى المسرح (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض)

 *وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ؛ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا[11]». هذا الحديث الصحيح يطالب بالمسارعة للإدلاء بالشهادة لما يترتب عليها من المحافظة على الحقوق وتأمين وصولها لأصحابها، والحيلولة دون الغش والتزوير والخداع والتزييف لإرادة الأمة ، والحيلولة دون الانتكاسة والنكوص عن الثورة وأهدافها.

  *وعَنْ عَبْداللهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: (المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ ن وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ[12]). متفق عليه وفي الحقيقة معاونتك ومناصرتك للأكفأ من المرشحين هي في حقيقة  الأمر وواقعه معاونة ونصرة لكل أفراد الرعية الذين سيلي أمرهم هذا المرشح حال إنجاحه وتوليه

*عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ.

وفي أداء الشهادة ( الإدلاء بالصوت في الانتخابات للمستحق) نصرٌ له، وبحجب الصوت والثقة عن غير المستحق نصر له.

 * أخرج الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور(وهذا دليل على استواء الشهادة بالزور مع كتمان الشهادة بالحق هما سواء في الجريمة حيث يتسبب كل من السلوكين في تضليل العدالة ، والتمكين للظلمة فلول وغيرهم من تسلم مقاليد الأمور)

 * في التنفير من شهادة الزور ، جاء الحديث الصحيح عن أبي بكر قال: (كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً - الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت).

 قال ابن عباس - رضى الله عنهما-  من الكبائر كتمان الشهادة[13]

 وشهادة الزور من الكبائر التي تُحبط الأعمال الصالحة فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه، وشرابه)[14].

 دفع شبهة

 ثمَّة شبهة عند البعض من كون مرشح كبرى الحركات الإسلامية لم يكن أصيلا وإنما كان بديلا ولا غضاضة في ذلك ففى التاريخ الإسلامي ما يشهد لذلك البعد الحضاري حتى لا تُترك الساحة نهبا للعابثين، ومسرحا لمن يلعبون أو يقومون بأدوار لغير أمتهم وعلى حساب دين أمتهم ففى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ رَشَّح المصطفي قادة الجيش بل المعركة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ[15])

 جا ء في فتاوي الديار المصرية حول كتمان الشهادة

 وإذا عُلم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لاسيما إذا كانت محصلة وكان الدعاء لأدائها، فإن هذا الظرف آكد، لأنها قلادة فى العنق، وأمانة تقتضى الأداء، انتهى.

 وفيها أيضا:

 إذا استدعى – أي الشاهد - فلا يجوز له التخلف، لأن القضاء متوقف على الشهادة، والتخلف عنها ضياع للحق، ودليل ذلك قوله تعالى {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} فهو عام فى التحمل والأداء.

 ومن المعلوم يقينا إشراف القضاة على هذه الانتخابات وعليه فإذا حضر الشاهد ( الناخب ) أمام القاضى ليشهد عند الاستدعاء وغيره وجب عليه أن يؤديها بأمانة كما تحملها، ولا يجوز له أن يكتمها وينكر أنه تحملها، قال تعالى {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} فالكتمان صادق بعدم أدائها، وبعدم الصدق فيها، أى بقول الزور.والتعبير بقوله {آثم قلبه} إشارة إلى أن كاتم الشهادة وقع تحت تأثير قصد سيئ انطوى عليه قلبه، وأقل ما يكون من هذا القصد السيئ عدم حب الخير لأخيه، أو حب الشر له والإضرار به، وذلك يتنافى مع الإيمان ففى الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه البخارى ومسلم.

 وإذا كان الكتمان ناشئا عن طمع فى نوال شىء من أحد الطرفين، أو عن خوف منه فإن الإيمان الحق يوجب أن يكون الرجاء هو فيما عند الله، فهو خير وأبقى، وأن يكون الخوف من الله وحده فهو القاهر فوق عباده، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العهد على أصحابه أنَ يقولوا الحق لا يخشون فيه لومة لائم، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا[16]}

 فنجد أن الله تبارك وتعالى حرم شهادة الزور، لكونها سبباً لإبطال الحق، وحرم كتمانها، لكونه سبباً أيضاً لإبطال الحق[17]

وقد قال الأئمة: لم يرد على شيء من الكبائر الوعيدُ الواردُ على كتمان الشهادة؛ - وكتمانها هنا الامتناع عن الإدلاء بالصوت - فإنه سبحانه قال: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ[18]} ، قيل في التفسير؛ ومن يكتمها مسخ الله قلبه، وانتزع منه حلاوةَ الطاعة، والاستشعار من ملابسة المعصية[19].

 فأداء الشهادة بالمشاركة في العملية الانتخابية بإيجابية وفاعلية وأمانة، وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق.

 وكتمان الشهادة- بالامتناع عن التصويت أو التصويت لغير المستحق وغير المرتضي دينه وخلقه في الضمير الجمعي للأمة  - ذنب عظيم، وإثم كبير لما فيه من ضياع الحقوق وإلحاق الضرر بالآخرين، ولما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. وقد يعظم إثم كتمان الشهادة – بالامتناع عن التصويت أو التصويت لغير المستحق لولاية الأمة إذا امتنع بامتناعه غيره أو اقتدي بع غيره في التصويت لغير المستحق، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بالمشهود له، بل إلى الإضرار بالأمة التي ستتلظي بنيران تولية من لا يستحق وتزكية من ليس أهلا للتزكية وفي الصحيح ( لا ضرر ولا ضرار)

 وكتمان الشهادة (بالامتناع عن التصويت)، أوعدم  المشاركة في العملية الانتخابية حمية وتعصبا، أو الشهادة زورا وبهتانا – بالتصويت لغير المستحق والأكفأ - حمية وعصبية – حزبية كانت أوقَبَلِيَّة أيضا إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تدعو بعض الناس إلى مخالفة الشرع المطهر.فتلك من نزغات الشيطان قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[20]}

 وفي التصويت لغير المستحق ولغير الأكفأ نوع من الغش والخداع للأمة وفي الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -:أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ:  مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.

ويحدث أثناء بعض الانتخابات، استغلال حاجة الناخبين وأصحاب الأصوات أو الحق في التصويت ، فيتم تقديم أموال لهم منها ما هو  نقدي ومنها ما هو عيني، سواء كانت هذه الأموال ناجزة أو معلقة وعليه يقوم المنتفعون – عاجلا أو آجلا - بتأييد هؤلاء المرشحين وإن كانوا غير أكفاء ولا أكفياء لولاية الأمة في ذلك جاء الحديث الصحيح  قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: ثَلاَثٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ[23].

 وذلك لأنه ينبغي أن يكون القصد من شهادته والإدلاء بصوته التقرب إلى الله عز وجل، وليس مراعاة المصلحة الشخصية، لقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) قال في (فيض القدير): هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى الله اهـ.

 ما يترتب على شهادة الزور في الانتخابات من الجرائم:

 شهادة الزور تترتب عليها جرائم كثيرة منها ما يأتي:

 (1) تضليل الحاكم ( والمقصود هنا القضاة المشرفون على الاقتراع ) عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل حيث يتم تصعيد من ليس أهلا للحكم والولاية على حساب الكفء.

(2) الظلم لمن شُهِد له – أي تم التصويت له - لأنه بذلك يكون قد ساق إليه ما ليس له بحق بسبب شهادة الزور.

 (3) الظلم لمن شُهِد عليه – أي تم التصويت ضده - بحيث سلبه حقه بهذه الشهادة الكاذبة.

 (4) تمكين الوصوليين والنفعيين والدخلاء والمجرمين الموالين للغرب على حساب دينهم وأمتهم فيعيثون في الأرض فسادا، وتُسبب شهادة الزور في الانتخابات للناس الرغبة في ارتكاب الجرائم اتكالاً على وجود شهادة الزور.

 (5) يترتب على شهادة الزور  انتهاك المحرمات وإزهاق النفوس المعصومة، وأكل الأموال بالباطل وكلا الطرفين من تم التصويت له ومن التصويت ضده  خصماء للناخب - شاهد الزور - عند أحكم الحاكمين يوم القيامة.

6) يحصل بشهادة الزور تزكية من تم التصويت له وهو ليس أهلاً لذلك، ويحصل بها جرح من تم التصويت ضده والتزكية شهادة للمُزَكَّى فإذا كان حال المُزَكَّى وواقعه بخلاف مضمون التزكية فإن المُزَكِّي شاهد بالزور حيث شهد بخلاف الحق أو بما لا يعلم حقيقته. فكذلك شاهد الزور وهو مزكٍّ للظالم، ومجرِّح للمظلوم.

7) يترتب على شهادة الزور في الانتخابات أعظم الفتن ولا سيما عندما يترتب عليها صعود غير الأمين على دين الرعية وأعراضها وأموالها ومصالحها ، ومن أخطر أسباب الصد عن سبيل الله ومن أفحش عوامل الضلال للناس، على النحو الذي أسفر عنه حكم مصر خلال الحقبة الماضية

 كلمة أخيرة

جاء في استشارة معاوية للأحنف بن قيس في تعيين ولده يزيد وليا لعهد للمسلمين، كلمة ما أجملها وأحْكمها، حَرِيٌّ بكل ناخب أن يقف عندها طويلا.. قال الأحنف:

 يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا، ولهذه الأمة، فلا تشاور الناس فيه؛ وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.

 وخيرٌ لأرض الكنانة بل للأمة العربية بل لأمتنا الإسلامية أن نقف جميعا صفا واحدا ، خلف مرشح واحد يقودنا بكتاب الله وهدى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، مهما كانت انتماءاتنا ومهما كان حزبنا فلا سبيل لمواجهة عودة أزلام النظام السابق بفلوله – أو بأي صورة كانت – وبأي وصاية كانت – داخليا من المجلس العسكري أو خارجيا كما يُشاع إلا بأن نكون صفا واحدا على  النحو الذي أشرت، حتى غير المسلمين من مصلحتهم أن يقفوا في خندق واحد مع المسلمين مع  مثل هذا المرشح فما عرفوا عدلا ولا أمنا ولا استقرارا كالذي عرفوه على أيدي أمثال من يحافظون على دينهم ويأتمرون بأمر الله في رعيتهم ، سئلت مسيحية أتختارين فلانا ( آخر رئيس وزراء في العهد السابق قبل الخامس والعشرين من يناير) قالت : لا سأختار مرشح الجماعة ( حزب الحرية والعدالة ) قالوا لها ( آخر رئيس وزراء في العهد السابق) سيحذف آيات من القرآن، قالت ( من لم يحافظ على دينه فلن يحافظ على ديني) وثمَّة شهادات على مدار التاريخ أن غير المسلمين ما نعموا في حياتهم نعيمهم في ظل دولة مرجعيتها الشريعة الإسلامية السمحاء.

--------------------------------------------------------

[1] وهو في صحيح مسلم (19/1719(، وغيره أحمد (5/193(، أبو داود (3596(، الترمذي (2296

[2] التوبة:71

[3] البقرة:235

[4] الحج:30

 [5] الفرقان:72

 [6] النساء:65

 [7] المائدة:2

 [8] فقه السنة (3/ 427)

 [9] أخرجه الحاكم (2/57-58) وصححه، ووافقه الذهبي. والبيهقي (6/69-70) وصححه الألباني (الصحيحة رقم 250)

[10] حسن رواه ابن ماجه

 [11] أخرجه مسلم برقم (1719)

 [12] متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2442) , واللفظ له، ومسلم برقم (2580).

 [13] المجموع شرح المهذب (20/ 223)

 [14] البخاري 7/ 87

 [15] صحيح البخاري، كِتَاب الْمَغَازِي. باب غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

  [16] النساء:135

 [17] فتح الباري بشرح صحيح البخاري 5/ 263.

 [18] البقرة:283

 [19] نهاية المطلب في دراية المذهب (18/ 624)

[20] المائدة:50

 [23]صحيح البخاري، كتاب المساقاة. باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْ الْمَاءِ. ‏صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب بيان غلظ تحريم إسبال الإِزار والمنّ بالعطيَّة وتنفيق السّلعة بالحلف، وبيان الثَّلاثة الَّذين لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم.

العنوان :
الإسـم :
التعليق :

لاتوجد تعليقات في هذا الموضوع

هل تؤيد تبادل الأراضي الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في إطار المبادرة العربية للسلام؟

نتائج التصويت
سجل بريدك ليصلك كل جديد