دعوة

د. رمضان خميس الغريب يكتب: القلة مع نوح عليه السلام وأثرها في الشهود الحضاري

د.رمضان خميس الغريب
د.رمضان خميس الغريب
بقلم: د. رمضان خميس الغريب - 2012-07-02 12:37:13

· عصر الخوارق لم يمض.. فالخوارق تتم في كل لحظة وفق مشيئة الله الطليقة.. ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاَ أخرى

إذا نظرنا إلى قلة مؤمنة عاشت المحنة والمنحة, والبلاء والعطاء, والسلب والإيتاء, و هي القلة المؤمنة مع نوح عليه السلام وجدنا كم كان جهدها في الشهود الحضاري وكم كان لها من مهمة في بقاء بذور الإيمان بالله, ولذا صنع الله لها ما صنع من إغراق الكافرين وتغيير ناموس الأرض, (إن هذه الحفنة- وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد.. وهذا أمر خطير..)([1])

ونوح عليه السلام هو أول من صنع الفلك, والفئة المؤمنة معه هي التي منها عَمُرَت الدنيا واستقرت الحياة.

حاجة القلة المعاصرة للإفادة من هذه الملامح

والقلة المؤمنة اليوم التي تسعى لريادة البشرية باسم الله, وقيادة الدنيا بالدين, في أمس الحاجة لتفهم هذه الملامح السننية في قانون القلة, وإدراك هذه الأسس التي تتكرر في كل زمن وفي كل قلة؛ لأنها قانون مطرد وناموس حاكم, وفي حاجة ماسة لإدراك عاقبة هذه القلة التي رصدها القرآن, وألح في عرض صورها, ونوّع في بيان خصائصها, على تباعد الزمن وتباعد المكان, وتغاير الأفراد, إلا أن القانون واحد في كل زمن وفي كل مكان,(إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل.. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا الأمر الخطير، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير. إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى.. شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعاً كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد. لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، كما قال تعالى: «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» ..)([2])

وحينما تدرك هذه الطلائع تلك العاقبة وتدرك قبلها اتفاق السمات والخصائص, وتوافق الملامح والصفات, يأتيها شيء من برد اليقين, ورَوْحِ الإيمان وهدوء الاطمئنان إلى سلامة العاقبة, وحين تدرك تأييد الله تعالى للقلة العاملة وتغيير نواميس الكون لها بسننه الخارقة, توقن من نصر الله لها, وحمايته لبقائها.

تغيير نواميس الكون للقلة المؤمنة

وهذه القلة المؤمنة مرعية في عين الله تعالى وفي عنايته؛ إنها البقية الباقية التي تسعى لتعبيد الناس لله وتهيئة الوجود لأرقى حالات الشهود,تتحمل ما تتحمل في سبيل تعريف الناس بربهم, وصلتهم به, ودلالتهم عليه, وهي من أجل ذلك استحقت أن تحظى برعاية الله تعالى وتأييده,فيغير لها النواميس ويخضع السنن الجارية في حقها للسنن الخارقة, فالكل مربوب لله رب العالمين, والمتأمل للقلة مع داوود يجد بوضوح هذا التغيير، فداود قتل جالوت بمقلاع, بسيط, والعدد القليل الذي عبر النهر هو الذي تهيأت له الأسباب للغلب على الكثرة المغرورة, والقلة المؤمنة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي التي تغير لها وبها الناموس الحاكم والسنن الجارية, فانتصروا في بدر وغيرها وهم لا يصلون على ثلثي عدد جيش عدوهم, والقلة المؤمنة مع نوح هي التي غير الله (تعالى) لها السنن الجارية فأرسل لها الطوفان, وحمله رائده على ذات ألواح ودسر, تجري بأعين الله تعالى جزاء لمن كان كفر, (عند ما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه «مغلوب» ويدعو ربه أن «ينتصر» هو وقد غُلب رسوله.. عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» ..

وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع المرهوب.. كان الله سبحانه- بذاته العلية- مع عبده المغلوب: «وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ..» .

هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية وحين «تغلبها» الجاهليه. إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة.. وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان، فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى «وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» ..

وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه وإلا أن تصبر حتى يأتي الله بأمره، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه، إلا فترة الإعداد والابتلاء وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء.

.. وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم..إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية، كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه: «إَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ» ..

إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة.. إن الجاهلية تملك قواها.. ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما يشاء وكيفما يشاء- وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب. وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله.. ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله. ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلماً.. ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة، والتدمير على البشرية الضالة جميعاً، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها..

إن عصر الخوارق لم يمض، فالخوارق تتم في كل لحظة- وفق مشيئة الله الطليقة- ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاَ أخرى، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً، ويلابسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملاً، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعند ما يُغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: «فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ، فَانْتَصِرْ» .. ثم ينتظروا فرج الله القريب. وانتظار الفرج من الله عبادة فهم على هذا الانتظار مأجورون.)([3])

مهمة القلة المؤمنة اليوم

القلة المؤمنة اليوم التي تسعى لإنهاض أمتنا على أسس ربانية في حاجة ماسة لمعايشة هذه السنن.. تقف أمامها طويلا وترى كيف نصر الله القلة المؤمنة, خاصة وان العام العربي اليوم في حالة مخاض جديد يؤذن بميلاد عصر سعيد ورشيد, تعلو فيه كلمة العدل والحق والحرية, سيما وقد عاش الناس عصورا من الخسف والتنكيل, والمسخ الفكري, والتيه التاريخي الممنهج وآن لها أن تعود إلى ربها وكتابه ومنهاجه.. والسعيد من وعظ بغيره, وقد بصّر الله تعالى القلة المؤمنة الأولى مع النبي محمد (لى الله عليه وسلم للوقوف والتذكر لتقارن بين حالين, وتبصر الفرق بين زمانين, زمان القلة والذلة, والهوان والامتهان, وزمان الإيواء والعناية, (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ، وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله.. اذكروا أيام الضعف والخوف، قبل أن يوجهكم الله إلى قتال المشركين، وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذات الشوكة وأنتم كارهون.. ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين. يرزقكم الله من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله. ويرسم التعبيرُ مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف:«تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ» .. وهو مشهد التربص الوجِل، والترقب الفزع، حتى لتكاد العين تبصر بالسمات الخائفة، والحركات المفزَّعة، والعيون الزائغة.. والأيدي تمتد للتخطف والقلة المسلمة في ارتقاب وتوجس. ومن هذا المشهد المفزع إلى الأمن والقوة والنصر والرزق الطيب والمتاع الكريم، في ظل الله الذي آواهم إلى حماه:«فَآواكُمْ، وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» ..

وفي ظل توجيه الله لهم ليشكروا فيؤجروا:«لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .. فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية.. صوت الرسول الأمين الكريم.. ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه وهذا المشهد وذلك معروضان عليه، ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه؟

على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك.. كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهم)([4])

 (والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين، ولا تذوقت المذاقين.. ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك. ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى: «إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ» ..فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول الله وأن تترقب في يقين وثقة، موعود الله للعصبة المسلمة، موعوده الذي حققه للعصبة الأولى، ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه، وتصبر على تكاليفه.. وأن تنتظر قوله تعالى:«فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .

وهي إنما تتعامل مع وعد الله الصادق- لا مع ظواهر الواقع الخادع- ووعد الله هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع، ثم يتكرر الهتاف للذين آمنوا مرة أخرى.. إن الأموال والأولاد قد تُقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا.)([5])

وعندما تقف القلة المعاصرة الرائدة بهذه النية, وهذا العزم وتبصر السابق وتنسج على منواله تنجو كما نجا, وتحيا عزيزة الجانب مرعية الجناب, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  والله وحده خير مسئول ومأمول.

..............................................

[1] - في ظلال القرآن: (4/ 1892).

[2] - في ظلال القرآن:1/270.

[3] - في ظلال القرآن: (4/ 1893).

[4] - في ظلال القرآن: (3/ 1496).

[5] - في ظلال القرآن (3/ 1497):

أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك بجامعة الأزهر

وجامعة حائل - السعوديةAl_ghoraeeb@hotmail.com 

العنوان :
الإسـم :
التعليق :

العلم مع الفكر السليم ينتج هذه الرؤية

احمد خليل

العلم مع الفكر السليم ينتج هذه الرؤية ..بارك الله فى اخى الدكنور رمضان على مايقدمه من حقائف تثبت القلوب وتعطينا الامل فى تحقيق وعد الله

هل تؤيد جهاد غير السوريين في سوريا؟

نتائج التصويت
سجل بريدك ليصلك كل جديد