دعوة

تاريخ الإسلام في السودان

كبته: أحمد الليثي - 2011-05-26 09:05:40

- لا تُشكل الأخبار الواردة عن الدولة السودانية ملمحاً لصفات تلك الدولة العربية العريقة، فليست المجاعات أو الحروب الأهلية تعبيراً حقيقياً عن حضارة الدولة السودانية، حيث يعتبر السوادن من دول حوض النيل العريقة، والتي احتوت بين جنباتها العديد من الحضارات والثقافات، فالسودان هو أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة ويمتد من الصحراء المصرية حتى غابات أفريقيا ويتوزع سكانه بين الإسلام والمسيحية وأديان تقليدية ويضم 56 جماعة عرقية و750 قبيلة، وكان السودان مأهولا منذ أكثر من 300 ألف سنة وخلال تاريخه الطويل كان تحت الحكم المصري، كما أنه حكم مصر أيضا ، وقد اعتنق أهل السودان المسيحية في القرن السادس الميلادي ثم تحول أهله إلى الإسلام في القرن السادس عشر، وقد خضع السودان لحكم مصري تركي عام 1821 قبل أن يطيح المهديون بهذا الحكم عام 1885 وخلال النصف الأول من القرن العشرين خضع لحكم بريطاني مصري قبل أن يحصل على الاستقلال عام 1956.

 

نشأة الإسلام في السودان

- كان يوجد في السودان مملكتان مسيحيتان؛ هما مملكة المقرة وعاصمتها دنقلا، ومملكة علوة جنوب المقرة وعاصمتها سوبا، وهاتان المملكتان استمرتا حوالي أربعة قرون بعد الفتح الإسلامي لمصر، وأثناء تلك القرون توافدت هجرات القبائل العربية نحو السودان من الشمال عبر مصر، ومن الشرق عبر الحجاز، ومن الغرب عبر المغرب، فوجد العرب في السودان مناخا شبيها بمناخ الجزيرة العربية فاستوطنوا فيه، وكان للهجرة العربية والصلات الثقافية والتجارية التي صحبتها أثر كبير في نشر الإسلام في السودان فأسلم أهله واستعربوا وقامت نظم سياسية تعبر عن هذا الواقع الجديد، فقامت سلطنة الفونج في حوض النيل ومملكة الفور في غربه.

- لقد سبقت الدعوة الإسلامية في السودان الدولة خلافا لما كان عليه الحال في كثير من البلاد الإسلامية الأخرى كالشام ومصر حيث قام نظام الإسلام السياسي على أنقاض الاستعمار الروماني ثم انتشر الإسلام، ومع انتشار الإسلام في السودان انتشرت الثقافة الإسلامية وروادها من علماء فقه ومشايخ طريق، حيث كانت غالبية العلماء الذين توجهوا نحو السودان يأتون عبر مصر أمثال محمود العركي، وأولاد جابر الأربعة وأختهم فاطمة، أما مشايخ الطريق فقد أتى معظمهم عبر الحجاز والمغرب أمثال عبد الكافي المغربي أستاذ الشيخ إدريس ود الأرباب، والشيخ حسن ود حموده القادم من الجزيرة الخضراء، والشيخ التلمساني المغربي أستاذ الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، والشيخ تاج الدين البهاري القادم أصلا من العراق عبر الحجاز للسودان هؤلاء الرجال ساهموا مساهمة وافرة في إرساء قواعد الإسلام في السودان وطبعوه بالطابع الصوفي.


التصوف في السودان

- مالت الكفة في السودان في الصراع الذي نشأ بين رجال الشريعة ورجال الحقيقة، أو العلماء ورجال الطرق إلى جانب رجال الطريق، حيث نُشر الإسلام في السودان سلميا وشعبيا وإقامة قنوات قاعدية للتعليم الديني والإرشاد، كما تم توسيع النظم الاجتماعية السودانية بإتاحة مواعين الطريقة الواسعة لاستيعاب القبائل المتعددة، وإقامة تجمعات سكانية عامرة كانت هي النواة الأولى لكثير من المدن السودانية، إلى جانب تحقيق وحدة ثقافية إسلامية لأن الطرق مع تعددها كانت تتفق على مصادر ثقافية موحدة.

- إلا أن الأمر لم يتوقف فقط عند إيجابيات الصوفية، بل غن هذه الإيجابيات تقابلها سلبيات،  فالتسامح المعهود في أساليب الطرق الصوفية فتح الباب لكثير من العادات الوثنية والتقاليد الجاهلية لتتسرب إلى عقائد الناس، كما أن دور الشيخ واعتقاد البركة فيه وفي أسرته فتحا مجالا للتخلي عن التكاليف الدينية وللدجل والشعوذة.

- وقد كانت الطريقة القادرية هي أول طريقة صوفية انتشرت في السودان، ثم تلتها الطريقة الشاذلية، ومع اتساع انتشارهما خاصة القادرية لم تكن لهما قيادة مركزية، ثم دخلت الطريقة السمانية وهي أول طريقة تنتشر في السودان محافظة على نوع من القيادة المركزية ومنطوية على عقيدة سجلتها دفاترها أن المهدي سيكون من حوضها. هذا الاعتقاد بثته في الثقافة الإسلامية في سودان حوض النيل الطريقة السمانية وبثه في السودان الغربي أشعار وكتابات المجاهد الإسلامي العظيم الشيخ عثمان ابن فودي.


المهدية في السودان

- فاضت البيئة الإسلامية السودانية، مما أدى إلى ظهور رجل من أهل السودان أعلن أنه كان ساعيا لإصلاح الدين طالبا من يقوم بذلك ليهب في نصرته حتى هجمت عليه الخلافة الكبرى المهدية، فاستجاب أهل السودان لدعوته، فقامت مع الدعوة موجه شعبية هائلة أحاطت بالنظام المصري التركي في السودان وأسقطته ومدت يدها للشعوب الإسلامية في كل مكان للتعاون على إسقاط نظم الحكم القائمة وطرد الاستعمار وتطبيق الشريعة وتوحيد الأمة.

- لقد أدخلت المهدية إلى خريطة الإسلام في السودان نمطا جديدا فهي ليست كالمهدية الشيعية

بل هي دعوة وظيفية هدفها إحياء الكتاب والسنة، وهي لا تبطل المذاهب والطرق ولكن تدعوا لتجاوزها إلي ما يوحد أهل القبلة، وهي كدعوة ابن تومرت في المغرب وككل الطرق الصوفية في السودان سنية الاتجاه، وفي وصف دعوته أوضح الإمام المهدي أنه أبقى على روحانية الطريق وأضاف إليها إيجابية الجهاد في سبيل الله.

- وبعد نجاحها وبعد وفاة الإمام المهدي وبعد ثلاثة عشر عاما من عهد خليفته تعرضت المهدية للغزو الثنائي الذي هزم الدولة وأقام مقامها الحكم الثنائي، وسرعان ما أدرك النظام الجديد أن للدعوة المهدية جذورا عميقة في السودان، فوجد أن خير وسيلة لمحاربتها هو عدم الظهور بمعاداة الإسلام بل معاداة التعصب وتشجيع العلماء كرجال دين يرفضون المهدية.

 

الواقع السوداني

- لقد جعل الاستعمار التعليم المدني في السودان رافدا من روافد العلمانية وشب طلبته فغلبت عليهم مفاهيم علمانية لبرالية اختلطت بمشاعر العداء للاستعمار فصاروا تربة خصبة لعلمانية اليسار، في الوقت الذي تتسم فيه البيئة السودانية بمشاعر دينية قوية ذات جذور شعبية راسخة مشاعر استفزتها غلبة العلمانية ثم العلمانية اليسارية الشيوعية، فاندفع جماعة من الطلبة ضد المد العلماني هذا وكونوا حركة سموها حركة التحرير الإسلامي، حركة التحرير الإسلامي كانت حركة سودانية خالصة فالتحمت مع التيار الشيوعي في صراع عنيف ملأ ساحة كلية الخرطوم الجامعية واتسع فشمل المدارس الثانوية.

-  لقد مرت السياسة السودانية منذ الخمسينات بتقلبات كبيرة الصراع بين الدعوتين الاستقلالية والاتحادية، استقلال السودان، وقيام الحكم الوطني، قيام النظام العسكري والمعارضة له فثورة أكتوبر، عودة النظام البرلماني ثم حركة مايو 1969م، وأثناء هذا كله تدهور العلاقة بين شمال السودان وجنوبه وتقلب العلاقة بين حالة الصدام والوئام، وكانت الكيانات الدينية الأهلية الثلاثة مشاركة في هذه التطورات السياسية مشاركة فعالة وبدرجات متفاوتة فأثرت فيها وتأثرت بها.

- ويعيش المثقف السوداني المدني التعليم الذي حياته الفكرية والاجتماعية تحت تأثير اتجاهات علمانية لا يلبث في كثير من الحالات أن يتعرض لآثار البيئة الإسلامية السودانية ويعود إلى رحاب الإسلام.


تعتبر نتيجة الانتخابات البرلمانية التونسية وتصدر حزب (نداء تونس) لها..

نتائج التصويت