تقارير وتحليلات

انتخابات تركيا – قراءة في المشهد السياسي (1)

فاتن نصـــار - 2011-05-31 12:05:27

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التركية في الثاني عشر من شهر يونيو، تشهد الساحة السياسية في تركيا حركة  حثيثة من مختلف الأحزاب، تعرض فيها برامجها الانتخابية وتطلق وعودها للناخبين الأتراك، كما تشهد حملات ساخنة وفضائح مدوية واتهامات متبادلة بين الأحزاب المتنافسة، بالإضافة إلى اللجوء إلى العنف المسلح والذي تمثل في محاولة اغتيال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما ألقى بظلاله على المشهد السياسي التركي برمته.

و يتنافس في الانتخابات المرتقبة 15 حزبا سياسيا على نيل ثقة قرابة 53 مليونا من الناخبين الأتراك، الذين سيختارون 550 نائبا لمجلس الأمة التركي (البرلمان) من مجموع 7492  مرشحا حزبيا و203 مرشحين مستقلّين.

الخريطة الحزبية

وتقتضي قراءة المشهد السياسي التركي، أولا وقبل أي شيء، التعرف على أهم الأحزاب المقرر أن تشارك في الانتخابات وهي:

- حزب العدالة والتنمية: الذي يحكُم مُنفرداً منذ تسع سنوات، حيث حصل على نسبة 35 % في انتخابات عام 2002 وعلى نسبة 46.5 % في انتخابات عام 2007، ويطمح للفوز بولاية ثالثة، وهي سابقة لم تحدث في تاريخ تركيا الحديثة منذ تأسيسها. الحزب وقادته، هُم وَرَثة حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان، الذي برز على الساحة التركية مطلع التسعينيات.

يقول مؤسسو الحزب وقادته، أن حزبهم ديمقراطي بينما يصفه المحللون والمراقبون السياسيون بأنه إسلامي معتدل. يقوده رئيس الوزراء الحالي "رجب طيب أردوغان" الذي يُخطط أن يلعب دوراً أساسياً في المرحلة المقبلة. من قيادات الحزب البارزة، "عبد الله جول" رئيس الجمهورية، و "داود أوغلو" مُنّظِر الحزب ووزير الخارجية.

الحزب يُركِز على إقرار دستور جديد للبلاد، في حالة فوزه بنسبة الثلثين التي تسمح له بتمرير القوانين دون الحاجة لاستفتاء شعبي. وتشير آخر استطلاعات الرأي إلى احتمال فوزه في الانتخابات المقبلة بنسبة تتراوح بين 45 – 50 %.

- حزب الشعب الجمهوري: هو حزب ليبرالي علماني قومي النزعة، وهو وريث الأحزاب الأتاتوركية، وقد عانى من التراجع الحاد نهاية التسعينيات، لكنه استطاع الحصول على حوالي  خُمس مقاعد البرلمان في انتخابات عامي 2002 و 2007. و يرى محللون أن تَولي "كمال كيليجدار أوغلو" رئاسة الحزب، خلفا لدينيز بيكال الذي استقال على أثر فضيحة جنسية قبل سنة، قَد يحسن من حظوظهِ في الانتخابات المُرتَقبة.

وكليجدار أوغلو "العلوي" يطمح في الفوز بنسبةٍ تُؤهله لتشكيل الحكومة بدلاً من حزب العدالة والتنمية، بخلاف الكثير من التوقعات. والحزب يُركز على "برنامج للرعاية الاجتماعية وتأمين الأسرة" و يتوجه أساساً إلى "الأتراك" ولاسيما الليبراليين منهم.

ويتهم حزب الشعب الجمهوري، حزب العدالة بإرجاع تُركيا إلى الخلف اجتماعيا من خلال فرض ما أسماه نمط إسلامي منغلق. في حين أن أردوغان يلمح إلى خطورة فوز شخص مثل كمال كيليجدار "العَلَوي". وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوزه بنسبة تتراوح بين 25 – 30 %.

- حزب الحركة القومية: حزب يميني قومي مُتطرف، يسعى إلى حشد التأييد في أوساط الأتراك، رافعا راية الأمجاد التاريخية، ومُنتقداً حزب العدالة والتنمية، وحزب الشعب الجمهوري، معاً، مُتهماً كليهما بالتفريط في الحقوق التركية التقليدية، وتقديم تنازلات للأكراد والأقليات الأخرى. وقد تعرض الحزب مؤخرا لأزمة خطيرة تمثلت في نشر شرائط  فيديو فاضحة لبعض قادته، وقد استقال عشرة من أعضائه على إثر ذلك.

 يسعى الحزب إلى الحفاظ، على أقل تقديرعلى نسبة العشرة بالمائة الضرورية لدخول البرلمان، ويطمح أيضا إلى زيادتها في الانتخابات المرتقبة حيث تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوزه بنسبة تتراوح بين 10 – 13 %.


- حزب السلام والديمقراطية: حزب كردي، تأسس في 2009، بديلاً لـ "حزب المجتمع الديمقراطي" الذي تم حله بقرار من المحكمة الدستورية العليا.

وقد قرر المُشاركة في الانتخابات، بمُرشحين مُستقلين، للتغلب على عقبة نسبة العشرة بالمائة اللازمة لدخول البرلمان، حيث تشير استطلاعات الرأي لحصوله على نسبة 6.5 % فقط. وفي حين كان لهم 22 مقعداً في انتخابات 2007، فهم يطمحون إلى رفعها لتتجاوز الثلاثين مقعداً.

- حزب السعادة (الإسلامي): يراوح في أزمته بعد غياب قيادته التاريخية ووفاة زعيمه نجم الدين أربكان؛ حيث يقول الكاتب التركي إسماعيل كابان: "إن حزب السعادة الإسلامي لم ينجح في إفراز قيادة جامعة يلتف حولها محبّو الزعيم نجم الدين أربكان".

ويرى كابان "أنَّ نعمان كورتولموش الذي تولّى زعامة حزب السعادة خلفا لنجم الدين أربكان فترة قصيرة، كان مرشحا للقيام بدور قيادي بارز في هذا الحزب ليعيد له زخمه، غير أن الخلافات الداخلية دفعته إلى التخلّي عن قيادة حزب السعادة، وجعلته يتوجّه لتأسيس حزب صوت الشعب؛ الأمر الذي يقطع الطريق أمام أي دور مستقبلي لحزب السعادة، وقد يكون سببا مباشرا في تشتّت أصوات الحركة الأربكانية التي سيستثمرها أردوغان وحزبه خلال الانتخابات المقبلة".

النظام الانتخابي

ووفقا لكثير من المحللين السياسيين فإن النظام الانتخابي في تركيا يلعب دورا كبيرا في تحديد ديناميات المشهد السياسي التركي، حيث وضعتْ تركيا قبلَ عقدين، آلية انتخاب تهدف بشكل أساسي إلى حرمان الأحزاب الكردية من الدخول إلى البرلمان بصفة كُتَل قوية. وذلك من خلال نِظامٍ انتخابي يشترط حصول الحزب على عتبة لا تقل عن عشرة بالمائة من مجموع المصوتين في عموم البلد حتى يتمكن من دخول البرلمان.  وبهذهِ الطريقة، فإن الأحزاب الفائزة، تحصل على جميع أصوات الأحزاب الصغيرة التي لم تصل إلى العتبة الانتخابية. وقد منعت العتبة الانتخابية أحزاب من يمين الوسط ويسار الوسط من دخول المجلس التشريعي في انتخابات عام 2007، مما نتج عنه الاستقطاب الحالي للنظام السياسي بين «حزب العدالة والتنمية» الحاكم و«حزب الشعب الجمهوري» المعارض.

كما أن الحزب الذي لا يحصل على 10%، لايحق له، الحصول على "الدعم المالي الحكومي"، وهذه أيضاً خسارة كبيرة لكل الأحزاب الصغيرة، ودعمٌ للأحزاب الكبيرة. وجراء هذا النظام الانتخابي، فلقد اضطرت  الأحزاب الكردية في انتخابات عام  2007، الى إدراج مُرشحيها، بِصِفة "مُستقِلين"، وهؤلاء لا ينطبق عليهم شرط الـ 10%، لكنهم ببساطة يجب أن يحصلوا على دعم كافٍ في محافظاتهم لدخول البرلمان.

 ولكن بالمُقابل فأنهم لا يحصلون على امتيازات "الكُتلة" في البرلمان، بل هم "أفراد" ولا يُقّدَم لهم دعم مالي حكومي. ولقد حصل مُرشحي حزب السلام والديمقراطية الكردي "الذي كان اسمه حزب المجتمع الديمقراطي"، بهذه الطريقة في انتخابات 2007 على "22" مقعداً.
وقد  طالب "12" حزباً، بتغييرات في النظام الانتخابي الحالي، وذلك بجعل العتبة 5%، لكن الأكثرية، أي حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبموافقة ضمنية من حزب الشعب الجمهوري، رفضتْ ذلك.

اهتمامات الناخبين 

أما عن العوامل المؤثرة في تحديد الاتجاهات التصويتية للناخبين، فيؤكد عدد من المحللين السياسيين أن العامل الاقتصادي هو المحرّك الرئيسي للناخب التركي؛ لذلك جاءت وعود الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التركية لتعطي مسألة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للمواطن التركي أولوية مطلقة، وركزت المشروعات التي تطرحها مختلف الأحزاب التركية على مكافحة الفساد، والعمل على إنهاء ظاهرة البطالة، وتأمين الضمان الاجتماعي والصحي لجميع المواطنين دون استثناء، والالتزام بتحسين الأجور ورفع دخل الفرد.

بينما تشغل مسألة الإصلاحات السياسية المرتبة الثانية في أولويات الناخب التركي، فالشارع التركي يُولي أهمية كبيرة للوعود بتعزيز بناء الديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلال جهاز القضاء من خلال صياغة دستور جديد للبلاد يُنهي حالة التداخل بين صلاحيات المؤسسات الدستورية، ويجعلها علاقة تكاملية وغير تنافسية، وينهي بشكل كامل وصاية بعض المؤسسات الدستورية لاسيّما جهاز القضاء والمؤسسة العسكرية على خيارات الشعب التركي والقرار السياسي في أنقرة.

وتكاد السياسة الخارجية لتركيا تغيب عن مشهد الانتخابات بسبب انشغال السياسيين والمواطنين الأتراك بكل ما يرتبط بالشأن الداخلي، لكن الإعلامي التركي بدر الدين حبيب أوغلو يرى "أن النجاحات التي حققتها حكومة رجب طيب أردوغان في السياسة الخارجية، والدور الإقليمي الفاعل لتركيا الذي حقق المصالحة التاريخية بين تركيا ومحيطها الجغرافي، قد قوبل بارتياح شعبي كبير في تركيا، لاسيّما أن أنقرة قد استثمرته لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، انعكست بشكل إيجابي على الشعب التركي، وحقّقت متطلبات الأمن القومي لتركيا؛ الأمر الذي سيعزز حظوظ أردوغان وحزبه في الفوز بفارق كبير في الانتخابات المقبلة".

اتهامات متبادلة

مع اقتراب موعد الانتخابات تزداد الحملات الانتخابية سخونة، وتتصاعد حدة الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب المتنافسة، حيث لا يخلو المشهد السياسي التركي من مدّ وجزر بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وبقية أحزاب المعارضة الرئيسية، وأبرزها حزب الشعب الجمهوري (الكمالي) وحزب الحركة القومية، وحزب السلام والديمقراطية (الكردي).

 فتتعالى أصوات أحزاب المعارضة لاسيّما حزب الشعب الجمهوري باتّهام حكومة حزب العدالة والتنمية، ورئيسها رجب طيب أردوغان والمحيطين به، بالفساد الإداري والمالي واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية؛ حيث يردّد زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار أوغلو زعمه بأن "أردوغان وأنصاره يزداد ثراؤهم يوما بعد آخر، في الوقت الذي ينتشر الفقر فيه وترتفع حدّته بين أوساط الشعب التركي"، مشيرًا إلى بروز ما يصفه بـ "البرجوازية الإسلامية" في تركيا، وظهور مجموعات اقتصادية جديدة في ساحة الأعمال التركية مقرّبة من أردوغان، الأمر الذي يعتبره كليشدار أوغلو مؤشّرا واضحا على "تفاقم ظاهرة الفساد المالي والتلاعب بالمال العام"، واصفا السياسات الاقتصادية لحكومة رجب طيب أردوغان بالفاشلة، ومتهما إياه بترويج مؤشرات مغلوطة ومبالغ فيها عن حركة الاقتصاد التركي، موضّحا أن أردوغان يطرح مشروعات خيالية لتخدير المواطن التركي، قاصدا بذلك مشروع المجرى المائي المعروف بقناة اسطنبول.

أما حزب الحركة القومية فيركز على اتهام حزب أردوغان بزعزعة ما يعتبره  "هيبة الدولة" عقب الزج بقادة عسكريين في السجون بتهم يعتبرها زعيم الحركة القومية دولت بهشلي باطلة وتعكس رغبة أردوغان في "الانتقام من المؤسسة العسكرية"؛ الأمر الذي يعتبره بهشلي خطرا كبيرا على السلم الاجتماعي في البلاد. كما يتهم حزب الحركة القومية أنصار العدالة والتنمية  بأنهم وراء الكشف عن شرائط فيديو تظهر تورط بعض قيادات الحزب في فضائح جنسية، وإطلاق كلمات بذيئة، وهو ما أحدث زلزالا داخل الحزب وأدى إلى استقالة عشرة من أعضائه وانقسامات قبل أيام قليلة على الانتخابات. وقد تم اتهام حزب العدالة والتنمية الحاكم بالسعي إلى منع حزب الحركة القومية من الحصول على نسبة الـ10 في المئة اللازمة لدخول البرلمان، بحيث تُوزّع على الأحزاب الأخرى، معززة قوة حزب أردوغان.

ذلك أن أي فشل لحزب الحركة القومية سيعطي «العدالة والتنمية» إمكانية الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، الذي يعني تمهيد الطريق أمام رجب طيب أردوغان لتمرير ما يريد من إصلاح بأقل الطرق صعوبة.

وقد اضطر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لنفي تلك الاتهامات التي وصفته باللجوء إلى اللعب القذر.

حيث نفى أردوغان بشدة أن يكون لحزبه أي علاقة بشرائط الفيديو تلك. وكان يردّ بهذا على اتهامات زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشيلي، بأن جماعة دينية تواطأت مع "العدالة والتنمية" لتأجيج نار الفضيحة.

من ناحية أخرى وفي خضم الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات، ألمح أردوغان إلى صلة أطراف سياسية كردية بالهجوم المسلّح على موكبه مؤخرا، ومحاولة اغتياله مرتين خلال أقل من شهر، وهو ما اعتبره بعض المراقبين إشارة واضحة لضلوع حزب السلام والديمقراطية الكردي في محاولة اغتيال رئيس الوزراء التركي.

كما اتهم أردوغان «متآمرين في أحزاب المعارضة الرئيسة» بتأجيج لهيب العنف وسط أكراد البلاد وقال إن الغرض من هذا هو: "خلق حالة من عدم الاستقرار وزعزعة الثقة وسط أنصار التنمية والعدالة".

من جانبه انتقد حزب السلام والديمقراطية الكردي تراجع أردوغان عن وعوده للأكراد، حيث أنكر رئيس الوزراء التركي مؤخرا وجود قضية كردية في تركيا، معتبراً أن "القضايا الموجودة هي فردية" وهو ما اعتبره "حزب السلام والديموقراطية" تنصّلاً لأردوغان من مسؤوليته في تسوية القضية، وتراجعاً عن الوعود التي قطعها سابقاً بإعطاء الأكراد حقوقاً ثقافية كاملة.

وفي تحدي صارخ لمنافسيه تعهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بترك العمل السياسي إذا فشل حزبه في الانفراد بالسلطة بعد الانتخابات التشريعية المقرر اإجراؤها في 12 من شهر يونيو.

وقال أردوغان في لقاء جماهيري حاشد في أنقرة:  "سوف أترك هذا العمل (السياسة) إذا  فشلنا في الخروج منتصرين للمرة الثالثة في الانتخابات وتشكيل حكومة الحزب الواحد".
 وتحدى أردوغان خلال اللقاء قادة أحزاب المعارضة الذين ينافسونه في الانتخابات ترك العمل السياسي إذا أخفقوا في الوصول للسلطة من دون الدخول في ائتلاف حكومي، مشيرا بذلك إلى قطبي المعارضة حزبي الشعب الجمهوري العلماني والحركة القومية اليميني.
وتساءل ما إذا كان زعيما حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية سيتخليان عن العمل السياسي إذا فشلا في تشكيل حكومة الحزب الواحد، وقال موجها حديثه للجماهير المؤيدة للحزب الحاكم "بالطبع لا".

وأوضح  أن غريميه من الحزبين لا يمكنهما قطع تعهد بالتخلي عن العمل السياسي "لأنهما يعرفان وضعهما ووضع حزبيهما على الساحة السياسية والشعبية في تركيا".

·        باحثة سياسية متخصصة في الشأن التركي




هل ترى أن رفع أسعار الوقود يشغل الغضب الشعبي على الانقلاب العسكري بمصر ويسهم في إسقاطه؟

نتائج التصويت