مقالات

د. سعيد حارب يكتب: وداعاً.. آرمسترونج

د سعيد حارب
د سعيد حارب
بقلم: د. سعيد حارب - 2012-09-03 11:57:13

بعد مرور ما يزيد على ثلاث وأربعين سنة من وصول الإنسان إلى القمر رحل عن العالم واحد من أبرز الشخصيات التي تركت بصماتها في حياة البشرية، إنه رائد الفضاء الأمريكي «نيل آرمسترونج» الذي كان أول من وطئت قدماه سطح القمر، وقد مرت وفاته عن 82 عاما دون ضجيج يذكر كحياته التي قضاها في خدمة الإنسانية، فآرمسترونج الذي ولد في 5 أغسطس عام 1930 في ولاية أوهايو الأمريكية، بدأ حياته المهنية طيارا في الجيش وشارك في الحرب الكورية عام 1950، ثم التحق بوكالة الفضاء الأمريكية حيث أصبح رائد فضاء نظرا لكفاءته في الطيران، ولم يكن هبوطه على سطح القمر أول سابقة له في الإنجاز بل سبق ذلك قيامه عام 1966 بإجراء أول عملية التحام بين مركبتين فضائيتين بواسطة إنسان، لكن نزوله على سطح القمر في 21 يوليو عام 1969 يعد أبرز إنجاز له وللبشرية في القرن العشرين، وقد عبر عن ذلك بقوله: «إنها خطوة واحدة صغيرة لرجل وقفزة عملاقة للبشرية». ورغم أن آرمسترونج لم يكن الوحيد الذي نزل على القمر في تلك الرحلة التي حملت اسم «أبولو11»، فقد شاركه زميله «بز ألدرن» الذي توفي قبل سنوات حيث كان الثاني الذي نزل على سطح القمر، إلا أن التاريخ لا يذكر إلا الأوائل دائما!! وقد حصل آرمسترونج على درجة الماجستير في هندسة علوم الفضاء من جامعة كاليفورنيا، كما حصل على عدد من شهادات الدكتوراه الفخرية، وعمل أستاذا لهندسة الفضاء في جامعة «سنسناتي» الأمريكية، ثم اعتزل الحياة العامة بعد ذلك في مزرعته ورفض التحدث عن إنجازاته فقد كان متواضعا في نفسه ويرى أن ما قام به هو جهد فريق علمي أسهمت البشرية في تحقيقه، كما رفض العمل السياسي، فقد رفض الانضمام إلى أي من الأحزاب السياسية رغم الإغراءات التي عرضها كلا الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي، وكان آخر حضور عام له في سنة 2010 عندما أبدى اعتراضه على خطة الرئيس «أوباما» لتقليص النفقات على برنامج الفضاء؛ حيث وصف خطة أوباما في ذلك بأنها «انتكاسة لجهود البشرية لاختراق الفضاء».

 وبموت آرمسترونج تخسر البشرية آخر الثلاثة الذين هبطوا على سطح القمر، فبالإضافة له ولزميله «ألدرن» فإن زميلهم الثالث في الرحلة «مايكل كولينز» الذي بقي في المركبة قد توفي قبل سنوات كذلك، وبموت الثلاثة «تموت» أسرار تلك الرحلة المهمة في تاريخ العلم البشري، إذ لم تسمح الحكومة الأمريكية لأي من الثلاثة بالكتابة أو الحديث، فقد فرضت في مرحلة من المراحل حراسة صارمة وعزلة على آرمسترونج ورفيقيه بل «زعمت» أن آرمسترونج أصيب بالجنون حتى لا تعطي مصداقية لأي حديث قد يصدر عنه.

لقد جاء وصول آرمسترونج وزميليه إلى القمر ردا على التفوق الفضائي الذي بدأ به «السوفيت» قبل ذلك حين أطلقوا أول مكوك يسبح في الفضاء وهو «سبوتنك» في 4 أكتوبر عام 1957، كما نجحوا في الثاني عشر من أبريل 1961 في إرسال أول رائد فضاء هو «يوري جاجارين» على متن المركبة «فوستوك» مما دفع بالأمريكيين لتحديهم في ما سمي يومها بـ «حمى سبوتنك» فجاء الرد بإنزال آرمسترونج وزميليه على سطح القمر، ورغم أن هذه «الإنجازات» العلمية جاءت في فترة الحرب الباردة، إلا أنها أسهمت في التقدم العلمي للبشرية، فقد ذهبت الحرب الباردة، وبقي الإنجاز العلمي.

إن الاستخدام السيئ للعلم والتقدم العلمي ليس مسؤولية العلماء -بصفة عامة- بل هو مسؤولية من أساء استخدامه، وما تعانيه البشرية اليوم من ويلات الحروب والآثار السلبية لاستخدام العلم والتكنولوجيا ليس بسبب العلم ذاته بل لأن من استخدمه لم يحسن استخدامه، ولذا فإننا لا يمكن أن نقلل من جهود العلماء والباحثين بسبب سوء استخدام علومهم، بل لا بد من معالجة هذا الاستخدام السيئ للعلم، لقد فتح آرمسترونج وأمثاله من العلماء أفاقا جديدة للبشرية في مجال الفضاء وأسسوا بذلك بداية جديدة لها، وفتحوا لها طريقا للوصول للمريخ، بل ربما كواكب أخرى مما يؤكد على القدرة الكبيرة لدى الإنسان للبحث والتقدم الذي تحتاجه البشرية ولا شك أن العلماء والباحثين والمفكرين هم الذين يمهدون الطريق لتقدم البشرية في كافة مجالاتها، وما تنعم به البشرية من منجزات علمية وتكنولوجية إنما وليدة فكر هؤلاء العلماء وجهودهم، والبشرية مدينة لهم بهذا الفضل فرغم الاختلافات الكثيرة بين البشر إلا أنهم جميعا يستفيدون من الإنجازات العلمية التي أسهمت في تقدم حياتهم الفردية والعامة، إن الطريق إلى مزيد من هذا التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بدفع عملية البحث العلمي والاهتمام بالتكوين العلمي للإنسان في تعليمه وتأسيسه وتدريبه، وتأسيس بيئة علمية عامة تستطيع أن تسهم في تكوين عقل علمي مبدع يسخر العلم لخدمة البشرية وتقدمها.

 لقد رحل آرمسترونج عن الحياة، لكنه فتح بابا للبشرية، وقبل أن يطبع آثار قدميه على سطح القمر، طبع اسمه في سجل العظماء من البشر.


بعد سقوط صنعاء..هل تتوقع سقوط عواصم عربية أخرى تحت سيطرة الحوثيين والنفوذ الإيراني ؟

نتائج التصويت