مقالات

فهمي هويدي يكتب: خطاب غير تاريخي للرئيس مرسي

فهمي هويدي
فهمي هويدي
بقلم: فهمي هويدي - 2012-10-09 11:58:58

خطاب الرئيس محمد مرسي الأخير يحتمل قراءتين، إحداهما تعطيه تقديرا جيدا، والثانية تمرره بدرجة مقبول، ومعلوم أن الاثنين من درجات النجاح.

(1)

طيلة السنوات التي خلت كان خطاب الرئيس ــ حتى قبل أن نسمعه ــ لابد أن يكون «تاريخيا».

أما بعد إلقائه ــ ودون أن نقرأه ــ فهو يغدو دليل عمل للمرحلة وخارطة طريق للمستقبل ونبراسا يضيء الطريق للأجيال القادمة.

وحين تتناقل وكالات الأنباء فقرات منه فإن صحف اليوم التالي لا تكف عن التهليل محتفية بالأصداء العالمية لخطاب الرئيس الذي تلقن كلماته زعماء العالم دروسا في الحكمة وبعد النظر.

بعد الثورة صار بوسعنا أن نأخذ راحتنا في تقييم كلام الرئيس، كما أن الصحف ما عادت مضطرة إلى نشر نصه كاملا وما عاد تلاميذ المدارس مضطرين إلى ترديد فقراته ضمن نشيد الصباح.

وأظن أن رؤساء تحرير الصحف سوف يستحون من تنظيم مظاهرة التهليل له، حتى إذا انخرطوا ضمن «زفَّة» الأخونة!

بوسعنا أن نقول للرئيس إنك أطلت في خطابك، وأن نصفه الأول الذي استغرق نحو الساعة كان يمكن أن يختصر في عشر دقائق، وأن الكلام المفيد كان في نصفه الثاني ولا نجد حرجا في تذكيره بقول من قال: إن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا, ومن قال بأن خير الكلام ما قل ودل.

لكننا ندخل بذلك في دائرة التقييم التي تميز في كيفية قراءة الخطاب بين ما هو شعبي وما هو نخبوي؛ أعني بين مخاطبة الرئيس لجماهير الشعب في مناسبة وطنية وقومية عامة، وبين خطاب رجل الدولة الموجه إلى السياسيين والمثقفين في مناسبة قومية أو ثقافية.

حين نشرت الصحف يوم الأحد الماضي (7/10) خلاصة لخطاب الرئيس فإنها نقلت عن بوابة الحكومة الإلكترونية (الرسمية) خبرا له دلالته العميقة تضمن بيانات عن مخالفات المرور التي قيدت للوزراء في الفترة الأخيرة (لا تنس أن عمر الحكومة لا يتجاوز شهرين).

وفهمنا من الخبر أن جملة الغرامات المفروضة على الوزراء بلغت 23229 جنيها، منها 3269 جنيها غرامة محسوبة على سيارة رئيس الوزراء و4403 جنيهات غرامة مقدرة على سيارة حراسته.

 لم نقرأ شيئا عن مخالفات سيارة الرئيس وسيارات الحراسة الخاصة به، لكننا لن نفاجأ إذا ما قرأنا شيئا من ذلك على موقع «مرسي ميتر» الذي تخصص في متابعة أداء الرئيس وقياس وفائه بالوعود التي أخذها على نفسه منذ ترشح لمنصبه.

(2)

حين قلت إن خطابه يمكن أن يعطى تقدير «جيد»، وهو ما وافقني عليه بعض المخضرمين والخبراء، فقد كان في ذهني أنه يستحق ذلك من وجهة النظر الجماهيرية والشعبية.

فالجماهير تحب الاسترسال وترحب بالاستشهاد بالنصوص والمصطلحات ذات الصلة بالمشاعر الإيمانية، وهي تستريح إلى اللغة التصالحية التي اتسم بها خطابه، والتي حرصت على إزالة الالتباس وتصريف الاحتقان، وكان ذلك واضحا في إشادته أكثر من مرة بالجيش والشرطة وإعطاء الجيش وقياداته جرعة متميزة، قدرت جهود المجلس العسكري في الفترة الانتقالية ووفائه بعهده، وأشارت إلى صبره على العنت الذي أصابه من جانب وسائل الإعلام.

ورغم أن الدعوة لم توجه إلى رئيس المجلس العسكري السابق المشير محمد حسين طنطاوي ونائبه رئيس الأركان السابق الفريق سامي عنان، فقد حرص الرئيس على أن يؤكد ضمنا أن إخراج المجلس العسكري من المشهد لم يؤثر على اعتزازه بالجيش وتكريمه له.

ولم تكن تلك هي الرسالة الوحيدة التي ذكرها أحد ذوي الصلة بالمراجع العليا, لأن الرئيس حرص في خطابه المطول على رسائل أخرى منها أنه يعتمد على شرعية شعبية تقوم على الثقة في الناس والاطمئنان إلى التفافهم حوله.. وهو ما دفعه إلى الطواف في الإستاد في سيارة مكشوفة حيا منها الجميع، وقد ارتدى ثيابا عادية دون ربطة عنق، بل ودون حراسة مكثفة، وهو ما لم يفعله الرئيس السابق طوال 30 سنة.

الرسالة الأخرى التي أراد أن يوجهها الرئيس في خطابه هي أنه يعيش مشاكل الناس ويتابع مصالحهم من خلال المعلومات التي ذكرها عن التلاعب في أسعار البوتاجاز ودقيق الخبز والملابسات التي تحيط بمشكلات المرور وغير ذلك.

ثمة رسالة ثالثة حرص الرئيس على توجيهها خلاصتها أن دائرة الفساد أوسع مما يظن كثيرون وأن معركة النظام والحكومة ضد رموزه ومظاهره طويلة.

وليس ذلك كل ما في الأمر لأن الفساد أثر في السلوك الاجتماعي، بحيث أصبحت بعض القيم السلبية التي سادت في المجتمع بحاجة إلى مراجعة.

وقد ضرب لذلك مثلا بتحرير مليون ونصف مليون مخالفة خلال ثلاثة أشهر، بمعدل نصف مليون مخالفة في الشهر، وقد كان منها 600 ألف مخالفة قيادة للسيارات عكس الاتجاه.

لقد تحدث الرئيس عن تلاعب بعض المستثمرين وتضييعهم ما يعادل مائة مليار جنيه حقوقا للدولة هي قيمة الأراضي التي اختطفوها والحيل التي اتبعوها لتحويل الأراضي المباعة للاستصلاح الزراعي إلى قطع للبناء أقيمت عليها عمارات بيعت للناس بأسعار باهظة.

وفي الوقت نفسه تحدث عن نفسه وأنه يسكن في طابق مستأجر بالحي الخامس في أطراف القاهرة (لم يذكر أنه يشغل المكان منذ قبل انتخابه رئيسا ويدفع إيجارا شهريا بقيمة ثلاثة آلاف جنيه).

انتهز الرئيس فرصة تزامن ذكرى 6 أكتوبر مع قرب نهاية المائة اليوم التي تحدث عنها عند ترشحه وعدد خمسة مجالات للإنجاز فيها (الأمن والمرور والخبز والنظافة والوقود)، وعرض ما تحقق في تلك المجالات (المدة انتهت أمس الاثنين 8/10)

ونجح في إعطاء الانطباع بأن المشكلات كبيرة ومعقدة، رغم تحقق الكثير في حل بعضها، ومن ثم أقنع سامعيه بأن القضاء عليها يحتاج إلى وقت طويل كما يحتاج إلى تعاون المجتمع في ذلك.

 وكأنه أراد أن يقول إن المائة يوم لم تكن للقضاء على المشكلات، ولكن للشروع في التعامل الجاد معها.

من هذه الزاوية أزعم أن الرئيس نجح في مخاطبة الجماهير والتعامل معها، ومن ثم استحق التقدير الذي سبقت الإشارة إليه، إلا أن الأمر يختلف والتقدير كذلك إذا أجرينا تقييما للخطاب من وجهة النظر النخبوية والسياسية.

(3)

طول الخطاب ليس فضيلة من الناحية السياسية، وإنما هو مصدر للاستياء والملل.

ومن الملاحظات المهمة عليه من هذه الزاوية أن الرئيس استغرق في التفاصيل وقدم نفسه ولم يقدم مشروعه.

صحيح أنه تحدث عن إلغاء الدعم المقدم لصنف راق من البنزين، كما تحدث عن ضرورة أن يسدد الأثرياء الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه لم يحدثنا عن رؤيته الاقتصادية للمستقبل، علما بأنه سكت عن معاناة قطاع الصناعة ومشكلات الزراعة وتوقف العمل في قطاع التشييد، الأمر الذي يعني أن عجلة الإنتاج تحتاج إلى دفعة قوية تنطلق من رؤية إستراتيجية واعية، كأن الرئيس حدثنا عن الأمور الفرعية والتكتيكية ولم يتطرق إلى ما هو كلي واستراتيجي.

من الملاحظات الأخرى أن خطاب الرئيس كان دفاعيا بأكثر منه مبادرا، وأنه خاطب ناقديه بأكثر مما خاطب عقول مؤيديه والكتل الكبيرة التي تنتظر بين المؤيدين والمعارضين.

كأنه أراد أن يرد على السلفيين في مسألة الحل والحرمة التي أثيرت بخصوص قرض البنك الدولي، وكأنه أراد أن يرد على الانتقادات التي وجهها إليه بعض الصحفيين حين تحدث على وضع مسكنه وحراسه وتكلفة مرافقيه في السفر، حين ذكر أن الواحد منهم لا يتقاضى بدل سفر أكثر من 68 دولارا في اليوم، ثم إنه لم يكن مضطرا لأن يذكر أنه خلال 95 يوما في السلطة، أمضى 9 أيام فقط خارج القاهرة.

هذا الخطاب الدفاعي أهدر فرصة الكلام عن النهضة المنشودة في المستقبل، خصوصا أنه حاصر الرئيس في الكلام عن الشأن الداخلي وأبعده عن الشأن الخارجي والمحيط العربي. صحيح أنه تعرض إلى الشأن الفلسطيني من زاوية علاقة قطاع غزة بسيناء، كما أعرب عن تضامن مصر مع الشعب السوري في ثورته، إلا أنه سكت عن كل ما عدا ذلك.

وهذه نقطة تحسب عليه لأن حرب 6 أكتوبر لم تعد لمصر عزتها وكبرياءها فحسب، ولكنها ردت للعرب اعتبارهم أيضا، وفتحت الباب لاستعادة مصر لدورها في موقع القيادة من العالم العربي، وهو ما قصّر فيه الرئيس السابق حقًا حين ذهب بعيدا في موالاته لإسرائيل وارتمائه في أحضان الأمريكان.

 لذلك فقد كان من المناسب أن يستثمر الرئيس مرسي الفرصة لكي يعلن عن موقف مصر إزاء ما يجري في المحيط العربي، خصوصا أن المنطقة تموج الآن بعواصف توحي بأننا بصدد الدخول في طور إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط, حيث لا نعرف بالضبط ما الذي سيحدث بعد سقوط النظام السوري، وتأثير ذلك في لبنان والعراق ونصيب إيران منه. ولا يعرف إلى أين يمكن أن تذهب عمليات التصعيد العسكري الحذر بين سوريا وتركيا.

ولا مفر من أن تؤخذ على محمل الجد التحضيرات الإسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وكذلك المناورات الحاصلة في مضيق هرمز والتي تشارك فيها 27 دولة، بينها السعودية والإمارات، تحسبا لاحتمالات إغلاق المضيق التي هددت بها طهران في حالة تعرضها للعدوان.

مثل هذه الأجواء المنذرة بالكثير لا أشك في أن أصداءها وصلت إلى مسامع الرئاسة المصرية، وما كان ينبغي تجاهلها في مناسبة مهمة مثل ذكرى 6 أكتوبر.

(4)

لست من أنصار التسرع في إصدار أحكام على الرئيس مرسي، الذي أتصور أنه يحمل عبئا يفوق طاقة البشر، جراء تعامله مع أنقاض النظام السابق، وفي أجواء ضاغطة وأحيانا معادية من جانب أغلب وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية، ناهيك عن أصابع وعناصر الدولة العميقة المنتشرة في العديد من مؤسسات الدولة، وبعضها أصبح يعمل من وراء الحدود بتشجيع ورعاية من جانب أطراف خاصمت الثورة, وأثار الربيع العربي قلقها وامتعاضها.

حتى أزعم أن الرئيس والحكومة ومن لف لفهم يسبحون ضد تيار عريض يصرّ على إجهاض الثورة وإفشال التجربة.

ولئن كان إصدار الأحكام لا يخلو من تعنت وتربص وربما سوء نية, إلا أن مراقبة الرئيس بنقده وتصويب مسيرته يظل فرض عين على كل وطني غيور على بلده.

من هذه الزاوية فإن الرئيس مرسي وفريقه ينبغي عليهم أن يدركوا أن الثورة حين أتت بهم فإنها هدمت هالة القدسية التي ظلت تحيط بالحاكم في الماضي، ثم إنها أشاعت جوًا من الحرية والديمقراطية له ضريبته واجبة الدفع. واحتمال النقد وقسوته أحيانا جزء من تلك الضريبة.

لذلك تمنيت أن يتحلى أهل الحكم بسعة الصدر التي تمكنهم من التعامل مع النقد الذي تحفل به وسائل الإعلام باعتباره من قبيل سداد فاتورة الديمقراطية الجديدة علينا وعليهم.


هل ترى أنه قد حان وقت التفاوض مع الانقلاب والوصول إلى مصالحة لإنهاء الأزمة؟

نتائج التصويت